في ممرّات مستشفى الشفاء، حيث كانت رائحة الدواء تختلط بصوت القلق، وُلدت حكاية لا تُشبه إلا نفسها.
لم تكن مجرد رحلة علاج، بل كانت اختبارًا للإنسانية، بطلها رجل واحد: بلال طباسي.
قبل عامين، حين كانت الحضّانات أقلّ من أن تحتمل صرخات الحياة الأولى، كان على 28 طفلًا خديجًا أن يخوضوا معركة البقاء خارج حدود المكان. لم يكن القرار سهلًا على عائلاتهم؛ تركوا أبناءهم في يد القدر، أو في يد رجل قرر أن يكون أكثر من مرافق.
يقول بلال: "لم يكن لدينا حضّانات كافية… نقلنا كل خمسة أطفال في حضّانة واحدة، وضعنا فوقهم وتحتهم البطاطين لنحفظ دفئهم، وكأننا نحاول أن نعوّضهم عن رحمٍ غاب مبكرًا."
ثلاث سيارات إسعاف فقط حملت هذا الثقل الإنساني كله. ثمانية وعشرون طفلًا، أنفاسهم هشّة، وقلوبهم معلّقة بين الحياة والمجهول. الطريق لم يكن مجرد مسافة جغرافية نحو مصر، بل كان عبورًا بين الخوف والأمل.
على الجانب الآخر، كان المشهد مختلفًا. سيارات كثيرة، حضّانات بعدد الأطفال، وأيدٍ جاهزة لاستقبالهم بعناية فائقة. هناك، بدأت رحلة أخرى… رحلة التعافي.
لكن بلال لم يكن مجرّد مرافق انتهت مهمته عند التسليم. بقي عامان كاملان.
عامان ترك فيهما أبناءه في غزة، يعيشون القلق ذاته الذي كان يحاول أن يخففه عن أطفالٍ ليسوا أبناءه بيولوجيًا، لكنهم صاروا كذلك في كل ما عدا ذلك.
"كنت ممزقًا… بين واجبي تجاه هؤلاء الأطفال، وخوفي على أطفالي الذين تركتهم في غزة"، يقول بلال. "لكن كل طفل منهم كان يحتاج أبًا… ولم يكن هناك وقت للتردد."
خلال عامين، لم يكن يراقب فقط تحسّنهم الطبي، بل كان يشهد ولادتهم الثانية. كبروا أمامه، تعلّقوا به، وصار لكل واحد منهم قصة تحفظها ذاكرته كما تحفظ الأم ملامح طفلها.
وعندما حان وقت العودة، لم تكن الرحلة أقلّ قسوة من الأولى.
عاد بلال، لا بصفته مرافقًا، بل أبًا يعيد أبناءه إلى عائلاتهم. واحدًا تلو الآخر، سلّمهم، كما لو أنه يسلّم أجزاءً من قلبه.
"كنت أشعر أنني أودّع أبنائي"، يقول. "كل واحد منهم كان يحمل شيئًا مني… وكنت أحمل منهم ما لا يُعاد."
عاد إلى غزة، لكن ليس كما غادرها.
عاد ومعه 28 تجربة حب، 28 حكاية نجاة، و28 قلبًا صغيرًا تركت فيه أثرًا لا يزول.
في عالمٍ يضيق بالحروب، تتّسع أحيانًا قلوبٌ قليلة لتُبقي الحياة ممكنة. وبلال طباسي… كان واحدًا من هؤلاء.
وقد شهدت مستشفى الشفاء خلال فترات العدوان والحصار أزمات طبية حادة، كان من أخطرها ما تعرّض له الأطفال الخدّج داخل أقسام الحضانة. فقد أدى انقطاع التيار الكهربائي ونقص الوقود اللازم لتشغيل المولدات، إلى تهديد مباشر لحياة عشرات الأطفال الذين يعتمدون كليًا على الأجهزة الطبية للبقاء على قيد الحياة.
وفي واحدة من أبرز هذه الأزمات، وُثّقت حالات نقل طارئة لعدد من الأطفال الخدّج من المستشفى، بعد أن أصبحت الحضّانات غير قادرة على العمل بشكل آمن. جرى تجميع بعض الأطفال في حضّانات مشتركة بشكل اضطراري، في ظل نقص الإمكانيات، فيما عملت الطواقم الطبية تحت ضغط هائل لإنقاذ أكبر عدد ممكن منهم.