مساجد غزة تستعد لرمضان والأسواق تستغيث بمعبر رفح

 

الرسالة نت- كارم الغرابلي " خاص "

 

أيام قليلة ويتسلَّل رمضان إلى غزة، رغم الحصار الذي أوصل قطاعها إلى مرحلة غير مسبوقة من الفقر تهدِّد ما تبقى من فرص الحياة أمام أهالي غزة، إلا أنها تعجز عن المساس بقرار المقاومة وروح العزة الأكثر انتشارًا بالقطاع المحرر.

 

 

استعدادات مختلفة هنالك في غزة احتفالاً بمقدم شهر رمضان المبارك، ولكنك لن تراها بالأسواق، كما في باقي الدول العربية التي تستعد لرمضان بالفوانيس، والمكسرات، والأصناف المختلفة من الأطعمة والمشروبات، فقد حوَّل الحصار الغاشم من العدو والصديق القطاع إلى أكبر سجن بالعالم محتجز به أكثر من مليون ونصف فلسطيني، ولكنها استعدادات تراها في الوجوه وبالمساجد الأكثر فرحًا بزيارة الشهر الكريم.

 

ويحل رمضان على القطاع بعد سنتين من الحصار المشدد الذي تشترك فيه مصر بإغلاق معبر رفح نهائيًّا أمام الخارج، أو الداخل إلى غزة، مما يجبر نحو 80% من سكان قطاع غزة للعيش تحت خط الفقر، ويعاني 65% من البطالة لعدم توفير فرص عمل أمام 140 ألف عامل فلسطيني؛ مما يجعل المساعدات التالفة أمام معبر رفح نتيجة تعسف النظام المصري، هي الرئة الوحيدة التي يتنفس من خلالها أكثر من مليون ومائة ألف مواطن فلسطيني في قطاع غزة الذين يعيشون على مساعدات وكالة الغوث "الأونروا" وبرنامج الغذاء العالمي، ومؤسسات عربية وإسلامية ودولية مختلفة.

 

ألم وأمل

 

ورغم غياب البهجة عن ملامح أهالي غزة مع المعاناة الشديدة قبل رمضان الكريم، فقد حلَّ الصبر والرضا محلها، في سبيل رسم السعادة والبسمة على وجوه الأطفال الذين حملوا الهمَّ مبكرًا، مع غياب الفرح وفراق الأحبة والخلان.

 

الأسواق بدت خالية والجيوب فارغة؛ بسبب حالة الحصار المفروض، والذي أدَّى لتردي الأوضاع الاقتصادية، وشح المواد اللازمة لمختلف جوانب الحياة الإنسانية.وفي شارع الزاوية وسط مدينة غزة لم تتزين المحال التجارية ببضائع الشهر الكريم، كما كان معهودًا قبل فرض الحصار، وبدت الأجواء أكثر إيلامًا على وجوه المواطنين.

 

وبعد جولة في مختلف أسواق القطاع كانت كفيلة بإعطاء مؤشر على حجم المأساة التي تنذر بعواقب وخيمة على المواطن الفلسطيني العاجز عن توفير أدنى متطلبات الحياة؛ ليعيش

مترقبًا ما ستؤول إليه الأمور، متضرعًا إلى الله أن تتغير أحواله، وتنقشع عنه تلك الغيمة قاتمة السواد.

 

المواطن أبو محمد كان يقف على باب إحدى المحال التجارية بسوق الزاوية يبحث عن احتياجات أسرته بشهر رمضان من مواد غذائية تغيب خلف معبر رفح الذي لا يفتح إلا لخروج الحالات المرضية التي توشك على الوفاة.

 

يقول أبو محمد:" بالرغم من أنني موظف إلا أن راتبي لا يكفي، فلدي ولد في الجامعة يحتاج للكتب ورسوم التسجيل لبدء الدراسة، وكذلك كسوة المدارس والأسعار الملتهبة تحرم الكثيرين من تلبية جميع متطلباتهم.

 

ويضيف أبو محمد أن رمضان هذا العام يختلف تمامًا عن الأعوام السابقة، فالحزن والمعاناة دخلت كل البيوت بعد فقدنا أبناءنا وأحبابنا، وتهدمت بيوتنا، ولم يحدث أبدًا أن نستقبل شهر رمضان على هذا القدر من المرارة، فاستمرار الحصاد أرهقنا، الأساسيات تحولت إلى كماليات، فإن كانوا يريدون قتلنا فليفعلوا؛ لأننا أبدًا لن نتخلى عن أرضنا أو عزتنا أو مقاومتنا.

 

 

بوجهٍ شاحب وعيونٍ دامعة يشارك في الحوار ابنه الطفل "براء" صاحب الثمانية أعوام، فيقول: "بابا أخبرني أن فانوس رمضان ارتفع ثمنه، ولن يكون بمقدوره شراؤه لي".

 

 

ويستدرك قائلاً: إلا أنني استبدلت الفانوس بعلبةٍ حديدية فارغة، وفي داخلها وضعت شمعة وأنرتها، وإن كان ضوؤها لم يُضاه ألوان الفوانيس الزاهية والجميلة، إلا أن "الفانوس الجديد" كان كفيلاً برسم ابتسامة كبيرة على شفتيه.

من جهتها، قالت أم سعيد في الأربعينيات من عمرها: إنها لم تقم بالتحضير لشهر رمضان بأي شيء، وأضافت الأم لثمانية أطفال، وهي تنظر لبعض البضائع التي يفترشها تجار السوق: "بالكاد نستطيع تدبير أمورنا في الأيام العادية، فكيف سيكون الأمر في رمضان".

 

 وبدت أحياء قطاع غزة- التي تشهد ارتفاعًا خطيرًا في معدلات الفقر والبطالة- كئيبةً وعديمة الحركة مع تصاعد الآثار الخطيرة للحصار، إذ يقف البائعون خلف بسطاتهم التي تحوي بعض المأكولات، والقلة من الناس تحدق بمشتريات شهر رمضان، من دون أن يجرؤ أحدهم على الاقتراب منها.

 

 

ويشرح وزير العمل في حكومة غزة، الدكتور أحمد الكرد أنّ "الفقر والبطالة المنتشرة في غزة هي نتيجة طبيعية للحصار، ومشكلتنا تكمن في الاحتلال والحصار، ومطالبنا بهذا الشأن هي فقط فتح المعابر ورفع الحصار، ونحن نواجه الاحتلال".

 

وأشار الكرد إلى أنّ كل الجهود الحكومية الفلسطينية في قطاع غزة تصب في جانب التخفيف من حدة الأزمة فقط، وقال: "لو رُفع الحصار تُحلّ فورًا مشكلة خمسين ألف أسرة لن تحتاج بعد ذلك للمساعدات؛ حيث ينتعش قطاع الزراعة والصناعة والتجارة، وتعود الحياة إلى طبيعتها".

 

 

إنارة المساجد

 

ويحتفل الغزيون بشهر رمضان هذا العام، وهم يعيشون في شبه ظلام دامس للعام الثالث على التوالي؛ بسبب منع قوات الاحتلال دخول الوقود اللازم لتشغيل محطة توليد الكهرباء؛ مما يزيد من مأساة المواطنين هناك.

 

إلا أنك سترى الاستعدادات واضحة أمام المساجد التي بدأت في حملات لتوفير مولدات كهرباء لإضاءتها، وتشغيل المراوح التي تلطف أجواء غزة الحارة، وتيسيرًا على القائمين والمعتكفين خلال شهر رمضان القادم.

 

فالشيخ أبو ياسر إمام مسجد بمدينة غزة وقف بعد الصلاة يدعو المصلين ميسوري الحال للمساهمة بشراء مولد للكهرباء يزود المسجد بما يحتاجه من كهرباء.

 

 

وسجلت مولدات الكهرباء ارتفاعًا ملحوظًا بسبب انقطاع الكهرباء ونقص الوقود؛ حيث  ارتفع ثمن سعر مولد الكهرباء من 1500 دولار إلى 4000 دولار، ويزيد السعر كلما زادت حجم الطاقة الكهربائية التي ينتجها المولد.

 

 

أبو سمير أحد ميسوري الحال بحي التفاح بمدينة غزة أكد اتفاقه وعدد من أهل الخير في الحي على شراء مولد للكهرباء؛ لإضاءة مسجد الحي وتشغيل المراوح الكهربية ومكبرات الصوت خلال ليالي شهر الصيام والقيام.

 

وتتميز مساجد غزة بإقبال غير عادي عليها من الأهالي خلال رمضان؛ حتى إن صلاة التراويح والقيام تستمر إلى ساعات متأخرة من الليل؛ لاستيعاب كافة المصلين.

 

ورغم الألم؛ يبقى الفلسطينيون المحاصَرون في قطاع غزة يحملون بذور الأمل، ويجدون رغم فقرهم وفاقتهم ما يتفاءلون به مع حلول شهر رمضان المبارك، متطلعين إلى غد أفضل من يومهم، ودعم أكبر من إخوانهم.