أين صرفت أموال الشعب الفلسطيني ؟

 أين صرفت أموال الشعب الفلسطيني ؟
أين صرفت أموال الشعب الفلسطيني ؟

الرسالة نت - شيماء مرزوق

الزواج "الكاثوليكي" بين الثروة والسلطة له مولود واحد هو "الفساد".. هذا المولود الذي أبصر النور عندما رأته السلطة الفلسطينية عام 1994 وكبر واشتد عوده عندما بلغت السلطة أشدها استفحلت قوته مع مرور الزمن حتى طغى على قوة السلطة نفسها, فرغم أن الأخيرة كبرت وهرمت وتقف اليوم على حافة الهلاك فإن الفساد لم يهلك.

ومنذ تأسس السلطة الفلسطينية فقد تلقت مليارات الدولارات من الدول المانحة تمهيدا لبناء الدولة الفلسطينية ومؤسساتها العتيدة ونقل الشعب من حالة الانهيار والتبعية التي كان يعانيها تحت الاحتلال إلى شعب حر تحت قيادته المستقلة, ولكن مع مرور السنين الأولى في عمر السلطة اكتشف الشعب أنه أصبح أكثر ذلاً وتبعية, وبات يسمع كل يوم عن ملايين تدفع من أجله دون أن يراها, فيتساءل في كل يوم: أين ذهبت أموال المانحين؟.

إمبراطورية الفاسدين

هذا التساؤل لم يحير المواطنين فقط بل أثار جنون المراقبين والاقتصاديين الذين توقعوا أن تبني السلطة بهذه الأموال دولة قوية وعتيدة لكنها بنت إمبراطوريات للفاسدين والمتنفذين حتى أصبحت هي نفسها عاجزة عن الوقوف في وجههم.

واستفهم عدد من خبراء الاقتصاد عن حجم المبالغ التي دفعتها الدول المتعهدة بدعم السلطة  الوطنية الفلسطينية وبناء الدولة.

"

موسى: السلطة أنفقت 7 مليارات دولار في مشاريع غير مفيدة وبلا مردود

"

وأكد د. نائل موسى الخبير الاقتصادي أنه منذ إنشاء السلطة في عام 1994 حتى 2000م تلقت من الدول المانحة حوالي 7 مليارات دولار أنفقت معظمها في مشاريع غير مفيدة بلا مردود مالي لها مثل الشوارع والمؤسسات التي دمرت (إسرائيل) معظمها.

واعتبر موسى أن مردود الأموال التي تذهب على الإنفاق الجاري والتطويري غير محسوس ولا يساعد على تحسن الدخل, "كما إن التضخم في عدد العاملين في السلطة أدى إلى ذهاب جزء كبير من الأموال للرواتب".

أما المحلل الاقتصادي جعفر صدقة فأوضح أن التزام الدول المانحة بدفع الأموال يتوقف على التطورات السياسية أكثر من نياتها أو أي عوامل أخرى، مشيرا إلى أن التجارب السابقة للدول المانحة مع السلطة في دعمها تشير بوضوح إلى أن الوفاء بالالتزامات كان إلى حد ما ضعيفا.

وبين موسى أن الفساد الذي استشرى في أجهزة السلطة والذي لا يقتصر فقط على السرقات وإنما الإدارة السيئة للأموال ساهم في إضعاف السلطة وخلق الأزمة الاقتصادية التي تعانيها, "لأنه بمجرد توقف الدول المانحة عن دفع الأموال ينهار الوضع الاقتصادي مباشرة".

كما لفت إلى أن الفساد أصبح جزءا لا يتجزأ من السلطة، "بمعنى أنه مرتبط ارتباطا وثيقا بمؤسسات السلطة التي تتعرض أموالها للنهب والسرقة وإدارة الأموال في غير محلها باستمرار".

واعتبر صدقة أن انتكاسة عملية التفاوض والسلام بفعل الإجراءات (الإسرائيلية) والأزمة الاقتصادية التي تعانيها بعض الدول أدت إلى التراجع عن دفع الالتزامات.

مراكز قوى متناحرة

وتتحدث الدراسات عن أن قيمة العائدات من الاحتكارات في السلطة الفلسطينية في عام 2000 تقدر بـ300 مليون دولار سنويا, "لكن الضرر الذي يلحق بالاقتصاد الفلسطيني الناتج عن ذلك يتجاوز بكثير الخسائر في العائدات، لأنه يمنع المنافسة ويتسبب بارتفاع الأسعار التي يجري تقاضيها من منتجات قليلة".

وشدد الخبير موسى على ضرورة محاربة الفساد والقضاء عليه، "وإنشاء مشاريع تحقق التنمية المستدامة للشعب الفلسطيني وبناء قواعد اقتصادية صلبة حتى تقام عليها مؤسسات السلطة"، ولكنه لم يغفل دور الاحتلال في الأزمة الحالية، معللا: "معظم الأموال التي أنفقت على مشاريع تطويرية دمرها الاحتلال وبذلك أعاد الوضع الفلسطيني إلى نقطة الصفر وحاصر الاقتصاد في الضفة وغزة".

"

أمان: إهدار المال العام شكّل أحد أهم مظاهر الفساد في سلطة رام الله

"

صدقة بين بدوره أنه بعد تأسيس السلطة الفلسطينية همش دور منظمة التحرير بمؤسساتها المالية والسياسية, "فأصبحت المساعدات المالية تذهب إلى السلطة, وهذا ما يثير التساؤلات والشبهات حول أموال المنظمة وأملاكها التي لا يعلم عنها أحد شيئا".

ولفت المحلل إلى أن السلطة تحولت إلى مراكز قوى تتناحر فيما بينها، "وتطغى عليها المصلحة الشخصية والمنفعة الذاتية في ظل غياب أجهزة الرقابة وتهميش القضاء، فبرز الفساد في مؤسسات السلطة وإداراتها وأيضا المحسوبية واحتكار المؤسسات الاقتصادية".

وقالت مؤسسة فلسطينية تعنى بمكافحة الفساد في نيسان/أبريل الماضي إن إهدار المال العام شكّل أحد أهم مظاهر الفساد في سلطة رام الله خلال العام 2011 إضافة إلى رصد مجموعة من التجاوزات الإدارية والسياسية.

وجاء الرصد في التقرير السنوي الثامن لمؤسسة (أمان) الفرع الوطني لمنظمة الشفافية العالمية حول الفساد ومكافحته حول هدر المال العام، أي سوء استغلال مقدرات المؤسسة المالية سواء أكانت مؤسسات عامة أهلية أم خاصة أم غيرها من مؤسسات المجتمع.

وقال التقرير: "اتضح برصد صور الفساد للعام 2011 أن هدر المال العام شكل أبرز مظاهر الفساد انتشارا في عدد من المجالات التي تشمل: دفع رواتب لأشخاص ليسوا على رأس عملهم، وتسديد فواتير الماء والكهرباء عن أشخاص ومؤسسات ليسوا مستحقين من الخزينة العامة، والتهرب الضريبي، وهدر المال المتعلق بالسيارات الحكومية، وعدم توريد كامل رسوم عقود الزواج إلى الخزينة العامة".

ولم يتضمن تقرير "أمان" أرقاما بشأن ما أهدر من المال العام فاكتفى بإعطاء أمثلة على الجوانب التي يهدر فيها، ولكنه قدم نماذج مختلفة لإهدار المال العام في مختلف وزارات الضفة إضافة إلى استغلال الوظيفة العامة واستمرار العمل بالوساطة والمحسوبية للحصول على الوظائف العامة والخدمات المقدمة من السلطة للمواطنين خصوصا في مجالي الصحة والتعليم.

ورغم ما يقال ويكتب منذ سنوات عن الفساد المستشري في مؤسسات السلطة وما تعلنه نفسها من إجراءات لمكافحة الفساد فإن الواضح أنها ما تزال عاجزة عن مواجهته لأنه أصبح جزءا لا يتجزأ منها ليبقى السؤال الكبير: أين ذهبت أموال الشعب الفلسطيني؟.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير