أرأيت قافلة الضياع؟.. أما رأيت النازحين؟!.. يسأل الشاعر بدر شاكر السيّاب، والإجابة تتلخص في لاجئين فلسطينيين خرجوا من يافا وعكا، انتهى بهم المطاف إلى سوريا وغيرهم إلى الأردن ولبنان.
لكن هناك في سوريا اللاجئ الفلسطيني سندباد العرب يهاجز بزيّ شحاذ حزين، يبحث عن كنوز العودة في عيون أطفاله، بعد أن تجرّع كأس اللجوء ثلاث مرات، بدأت بنكبة 1948، ومرّت بنكسة 1967، وانتهت بـ "خراب 2012"، وليس بعيداً أن تزيد.
على الحدود السورية، مشهد جديد لمخيمات النكبة يرقد فيها لاجئون فلسطينيون، أضعف المرض كاهلهم وباتوا ينتظرون الدواء، أما الجوع فجعلهم يبحثون عن خبز يابس.
مخيم اللجوء أو الخراب أو الألم أو المعاناة.. تعددت الأسماء ومعاناة اللاجئين الفلسطينيين واحدة.
المخيم يضم خمسة عشر ألف لاجئ، كل عشرة أشخاص منهم يسكنون في خيمة واحدة، وكل عشرين منها تشترك في حمّام.
خبر يابس وحمام
أمام إحدى الخيام أقامها مجموعة من اللاجئين غرفة صغيرة، ليساعدوا من خلالها مريضين مصابين بـ "الكلى".
البرد القارس وعجز المريضين عن التحمل، منعانهما من السير لمسافات طويلة خاصة خلال ساعات الليل، للوصول إلى مكان قضاء الحاجة.
وكثير كالمريضين يعانون أمراضاً مزمنة، حملوها معهم من فلسطين وازدادت ألماً بلجوئهم إلى سوريا، و"زاد الطين بِلّة" بعد أن باتوا في مرمى نيران قوات النظام السوري التابعة للرئيس بشار الأسد.
وعلى الجهة المقابلة لخيمة المريضين، مشهد آخر للمعاناة يحكي قصة لاجئين ليس لهم طعام إلا من خبز يابس، وشرابهم من ماء لا يُعرف ما إذا كان صالحاً للشرب.
ويتخذ سكان المخيم زاوية يجمعون فيها ما أوتوا من خبز يابس، يجري ترطيبه بشيء من الماء؛ ليصبح طرياً قادرًا على إخماد جوع أطفالهم.
المستشفى و"التراكتور"
في إحدى المدارس الواقعة على الحدود، اتخذ بعض الأشخاص ذوي الخبرة في مجال الطب والتمريض، مستشفى لمعالجة الجرحى والمصابين.
ولا يمكن أن يسمى مستشفى، في ظل انعدام أبسط مقومات الطبيب العادية، في حين أن أدواتها بدائية بسيطة، لا يمكن خلالها علاج الحالات السهلة.
أمام باب المستشفى وقف جرارٌ وهو آلة تستخدم للزراعة في القرى ويعرف باسم "التراكتور"، يحمل على متنه عدداً من الأشخاص الجرحى، يقلّهم إلى مكان علاجهم.
من بين الجرحى طفل صغير يحمل أملاً واسعاً بداخله، وصل إلى المستشفى بعد إصابة وصفها الجرّاحون بالطفيفة، إلا أن ضعف الإمكانات والمواد الطبية البسيطة، جعلها معقدة أمام الأطباء.
مدرسة المستقبل
وعلى الرغم من كثافة سكان المخيم وقلة الخيام المقامة لاستيعاب أعدادهم المهولة، يبقى الأمل والحلم بمستقبل واعد، يحمله أطفال ينعمون بفرصة التعليم في ظل الحرب.
عدد آخر من الشباب والشابات المتعلمين، استعانوا بإحدى الخيام وصعنوا مدرسة تفتح أبوابها أمام أطفال المخيّم، وبدؤوا بإعطاء الدروس، ضاربين بعرض الحائط حمام الدم ومشهد الدمار.
اللغة العربية والتربية الإسلامية، مادتان فقط تمثلان منهجاً يدرّس للطلاب، وعند السؤال عن السبب أجاب المعلمون: "عشان الأطفال يقدروا يتعلموا ويقرؤوا ويتكلموا بالعربي، وما نسيهم الحرب دينهم".
ومع شروق الشمس يذهب أطفال مفعمين بالأمل الممزوج بالألم، إلى مدرستهم، يأخذون من العلم قليلاً، ويعودون إلى خيامهم ليفسحوا المجال أمام غيرهم من الطلاب.
وتعمل المدرسة بثلاث فترات يومية تبدأ بالصفين الأول والثاني، ثم الثالث والرابع، وأخيراً الخامس والسادس، ويجري العمل حالياً على الاستعانة بخيام مماثلة لتدريس طلاب المرحلة الإعدادية والثانوية.
ولجأ إلى سوريا عام 1948 حوالي 90 ألفاً لاجئ فلسطيني، تركز معظمهم في العاصمة دمشق، وتوزع البقية على محافظات الأطراف، ووصل عددهم إلى 400 ألف نسمة عام 2000، وحاليا حوالي 470 ألف نسمة عام 2008. يعيشون في عشرة مخيمات.