مقال: مصر: الحوار أم الخراب؟!

مؤمن بسيسو
مؤمن بسيسو

مؤمن بسيسو

لا تدرك القوى العلمانية واليسارية والقومية والليبرالية التي نحت منحى التمرد وسلكت مسلك الانقلاب في مواجهة الرئيس المصري المنتخب، أنها تؤرخ لمرحلة بالغة الخطورة في حياة أمتنا العربية وشعوبها المكلومة، وتعمد إلى طيّ صفحة التوافق والعمل المشترك بين القوى العلمانية من جهة، والقوى الإسلامية من جهة أخرى إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.

ما يجري في مصر اليوم كارثي ومدمر بكل المقاييس، فهو يلغي العقل لصالح العربدة، ويشرّع الفوضى في مواجهة القانون، ويعتمد نهج الإقصاء والنفي القسري بديلا عن قيم التوافق والتفاهم المشترك، ويبدد كل المكاسب الشعبية والمنجزات الثورية التي دشنتها دماء الشهداء وحلقات الألم والمعاناة الممتدة عبر عقود الظلم والقهر والاستبداد، ويطمس منطوق العقد السياسي والاجتماعي الذي ارتضى الديمقراطية وتداول السلطة والاحتكام إلى صندوق الاقتراع لجهة تكريس معادلة جديدة ملؤها العنف والفوضى والإملاء، ويضع القطبين: العلماني والإسلامي في مواجهة مدمرة لا تبقي ولا تذر.

أيا كانت الانتقادات التي توجهها الطائفة العلمانية للرئيس المصري وجماعة الإخوان المسلمين فهي ساقطة بالمعنى القيمي والأخلاقي، ومتهافتة بالمعنى السياسي والوطني.

السقوط القيمي والأخلاقي يتأسس على تنكر قوى المعارضة المصرية للقيم والمبادئ الديمقراطية ورفضها الانصياع لحكم صندوق الاقتراع، وهو ما يقذف بمصر، دولة وأحزابا وشعبا، في قلب المجهول، ويحولها إلى غابة كثيفة بكل معنى الكلمة، يأكل القوي فيها الضعيف، ولا صوت أو غلبة فيها إلا للأكثر قوة وقهرا وفجورا.

أما تهافتها السياسي والوطني فيرتكز على انعدام صدقية التهم والدعاوى المرسلة بغير دليل التي يرمون بها مرسي والإخوان، وسوء نواياهم تجاه التجربة الإسلامية الجديدة، وتآمرهم على إجهاضها بكل الوسائل والأساليب، المشروعة وغير المشروعة، منذ اللحظة الأولى.

مرسي ليس معصوما، والإخوان يمثلون تجربة سياسية بشرية تخوض غمار الحكم وإدارة الدولة للمرة الأولى، فالخطأ لديهم وارد ومفهوم، وقدرتهم على استنقاذ مصر من أزماتها الكبرى في ظل المعطيات الراهنة محل شك، إلا أن أداءهم السياسي والإداري أيا كان شيء، وحقهم الكامل في ممارسة الحكم على قاعدة الإرادة والتفويض الشعبي شيء آخر تماما.

من العجب العجاب أن ترفع المعارضة المصرية عقيرتها بالشكوى والصراخ تجاه ما يسمونه "أخونة الدولة" و"الهيمنة" على قرار ومقدرات الدولة، في الوقت الذي أرهق فيه مرسي ذاته جراء كثرة دعواته للحوار الوطني ومحاولاته التوافق والالتقاء الحزبي، ومقارباته الوطنية الحثيثة لإعادة بناء العلاقات السياسية والحزبية على أسس وطنية وقواعد موضوعية، ومطالباته الدائبة للشخصيات الوطنية والحزبية بشغر مواقع المسئولية ومشاركته عبء إدارة وحمل هموم البلد، ولكن دون جدوى.

أخطر الأخطار التي تحملها الأحداث الغريبة الدائرة في مصر تكمن في انقلاب الأسس والأصول الحاكمة لمعادلة العلاقة بين العلمانيين والإسلاميين بما يقود إلى ضمور وأفول المشتركات الاستراتيجية التي ترسي أسس مواجهة أعداء الأمة والتكاتف لمواجهة التحديات الخارجية، والمشتركات السياسية التي تضمن النزول عند حكم الديمقراطية وصندوق الانتخاب ومنع التغول والاستبداد، والمشتركات القيمية التي تحمي الأمة وشعوبها من مخاطر الكذب والفجور والانحطاط.

مصر اليوم بين خيارين: إما إعمال العقل والحكمة، وبالتالي استدعاء لغة التوافق والحوار، أو إلغاء العقل والمنطق وإدارة الظهر لمصالح الأمة، والجنوح نحو الخراب والدمار!