فبراير عام 1978، اغتيال الأديب المصري المعروف يوسف السباعي على يد مجهولين أثناء مشاركته في مؤتمر في قبرص بثلاث رصاصات اخترقت رأسه، فتغيرت طبيعة العلاقة بين مصر والشعب الفلسطيني.
وجهت في ذلك العام دعوة إلى وزير الثقافة والأديب صاحب رائعة "رد قلبي" لزيارة قبرص من أجل المشاركة في أحد المؤتمرات الأفروآسيوية، فذهب إلى هناك دون أن يعرف أنها ستكون آخر رحلة له في هذه الحياة، وأن موته سيغير طبيعة العلاقة بين جمهورية مصر العربية وقبرص، وبين الأولى والفلسطينيين.
أما عن قبرص، فدفعت تلك الحادثة إلى توتر شديد في العلاقات بين البلدين، وذلك بعد هبوط وحدة عسكرية مصرية خاصة في مطار لارنكا الدولي للقبض على القاتلين دون إعلام السلطات القبرصية، فاحتجز القتلة أكثر من ثلاثين من أعضاء الوفود المشاركة في المؤتمر رهائن مهددين بقتلهم في حال لم تستجب الحكومة القبرصية لطلب نقلهم جوا إلى خارج البلاد، وهو ما حدث بالفعل، فدارت معركة بين القوات المصرية الخاصة والجيش القبرصي أدت إلى مقتل عدة أفراد من القوة المصرية وجرح عدد من الطرفين.
يوسف السباعي الروائي والقاص الكبير الذي شغل منصب وزير الثقافة عام 1973 إبان حكم أنور السادات إلى اغتياله عام 1978 كان من أشد المؤيدين لمبادرة السلام مع (إسرائيل)، وهو السبب الذي جعل المصريين يتهمون الفلسطينيين وتحديدا جماعة أبو نضال باغتياله الأمر الذي أثر سلبيا على طبيعة العلاقة بين الفلسطينيين والمصريين، فنشبت حملات ملاحقة كبيرة بحق الفلسطينيين الموجودين في القاهرة وغيرها من المدن المصرية ليعتقل كثيرون ويرحل ويقتل آخرون تحت ذريعة اغتيال السباعي.
وكان الكاتب والأديب الفلسطيني أحمد عمر شاهين يقطن في القاهرة في تلك الحقبة المؤلمة من تاريخ الأمة، فعانى كغيره من الفلسطينيين الملاحقة والاعتقال، ثم هرب بصحبة الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي إلى العراق، وبعد مدة غير قصيرة عاد مجددا إلى القاهرة، واعتصم في مطار القاهرة 17 يوما إلى أن وافقت السلطات المصرية على دخوله أراضيها، فعاد إلى الاستقرار هناك إلى أن وافته المنية مؤخرا.
شاهين الروائي الفلسطيني الذي تبرع بمكتبته كاملة لمصلحة مكتبة مدينة خانيونس التي عاش فيها ردحا من الزمن لم يترك تلك المدة إلا وقد رسم تعاليمها وخطوطها عبر رائعته "المندل" التي طورد بطلها نتيجة الحملة المصرية ضد الفلسطينيين، فعمل بطل تلك الرواية "عراّفا" يقرأ الكف والمندل.
وقد كتب أحمد عمر شاهين عددا كبيرا من الأعمال الإبداعية التي اشترك بطلها (حمدان) في خطوط تلك الروايات، وذلك في محاولة لبرهنة الحالة العربية المؤلمة وعلاقة المثقف بالسلطة.
كل تلك الأحداث مرت أمامي دفقة واحدة بعد الاتهامات الأخيرة للرئيس محمد مرسي بالتخابر مع حركة حماس الفلسطينية كأن قدر فلسطين أن تكون المشجب لأي معضلة في العالم بل كأن حركة حماس حكومة احتلال، فهل نحن اليوم بحاجة أحمد عمر شاهين من جديد كي يكتب ويرسم خطوط المرحلة الراهنة؟