كنت أنا المواطن "عربي" أنظم مخزنا قديما يقع في مكان ما في الوطن الكبير، وكان من بين أدواته وأغراضه مجموعة من الصناديق الانتخابية القديمة اعتلاها الغبار، يقبع أحدها وحيدا على منضدة، توجهت نحوه كي أنقله إلى جوار باقي الصناديق، عندها سمعت صوتا يخرج من داخل الصندوق يقول: لا تلمسني، اتركني وحدي!.
وقفت مذهولا وقد عادت بي الذاكرة إلى قصص الطفولة: علاء الدين والمصباح السحري.
الصندوق: لا تندهش لقد أجبرتموني يا بني يعرب على النطق من هول ما رأيت في بلادكم.
عربي: ولكن كيف ذلك، كيف تنطق وتتكلم بلغتي العربية وتفهم حديثي؟
الصندوق: يا ليتني لم أعرفكم ولم أفهمكم أيها المجرمون.
عربي: لماذا أنت حانق علي وتشتمني؟
الصندوق: أيها العربي، لقد طفت في بلادكم ولم أجد فيها تقديرا ولا احتراما.. تعرضت للانتهاكات والقهر والانقلابات.. كنت شاهدا على دماء سكبت على مذبحي، وها أنا اليوم أبحث عن طريقة أتخلص بها من حياتي.
عربي: ولكن بعد الربيع العربي أصبحت عنوان المرحلة وصرنا نحتكم إليك.
يضحك الصندوق بمرارة وسخرية: هل أنت غبي، يبدو أنك لا تتابع الأخبار، ألا ترى كيف انقلبوا علي في مصر وانتهكوا شرعيتي في زمن ربيعكم العربي، ألم تسمع عما تواجهه تونس من استقطاب وما تعانيه ليبيا من فوضى.
عربي: لكنك لا زلت الطريقة الأفضل والآمن للوصول إلى الحكم.
الصندوق: يبدو أنك لا تقرأ التاريخ، أيها المأفون لقد كنت هناك في الجزائر في انتخابات العام 1991، ثم ماذا فعلوا بي؟ جعلوني إرهابيا، وبسببي وقعت حرب أهلية منذ العام 1992 واستمرت لنحو عشرة أعوام راح ضحيتها عشرات الآلاف.
ثم خرج صوته حزينا: هل تعلم كم مرة تعرضت للاغتصاب زمن انتخابات حسني مبارك، لقد كانوا يفضون شمعي الأحمر عنوة، ويفتحوني ثم يملئوني بقاذوراتهم، حتى أمتلئ بنتائج تسعينية للرئيس وحزبه الحكم.
ويتابع الصندوق باكيا: لقد كنت شاهدا على آلاف الصناديق الانتخابية من إخواني الذين ألقوا بهم ليغرقوا في الترع، ومكبات النفايات، وكنت عرضة لسطوة البلطجية والأجهزة الأمنية، وباسمي حكموا البلاد زورا، وباسمي سرقوا أصوات الأحرار.
ثم يتابع صارخا: ثم لا تريدني أن أتخلص من حياتي حتى يعودوا إلى اغتصابي مجددا.
عربي: لكن بدونك لن نتحول إلى النظام الديموقراطي، ونصبح في مصاف دول العالم المتقدم مثل أوروبا والولايات المتحدة.
الصندوق: عن أي ديموقراطية تتحدث أيها المضلل، لقد أرسلوني إلى الفلسطينيين في العام 2006 ووقف على رأسي الرئيس الامريكي الأسبق جيمي كارتر لكي يراقبني وأنا أقدم لهم أفضل نموذج ديموقراطي، ثم ماذا حدث؟، بعدما غادر كارتر المكان، أرسل الأمريكان الجنرال كيث دايتون، لكي ينقلب علي ويلغي نتائجي، وعندما لم يفلحوا، حاصروني وحولوني رمزا للانقسام والفرقة، هذه ديموقراطية الأمريكان والأوربيين أيها العربي الساذج.
عربي: رغم طول لسانك لكني أقدر حالتك النفسية، وأحاول أن أبحث معك عن مخرج، لابد أن نحافظ عليك لأن البدائل الأخرى قاسية.
الصندوق: لم يتركوا أمامي أي فرصة كي أثبت لهم أنني جدير بالثقة، وأنني وسيلة الشعوب لنيل حقوقها، لقد هزموني، ونجحوا في دفع الجماهير أن تكفر بي، لهذا لا أستحق الحياة في بلادكم، المخرج الوحيد أن تحمل الآن هذه الحديدة، وتهوي بها على رأسي وتحطمني، ثم حمل أنت صندوق ذخيرة، واذهب لتأخذ حقك بيدك.
عربي: لن أفعل ذلك، لا زلت أؤمن بك وسيلة لتداول السلطة، لن أحطمك.
الصندوق: إذا اتركني سوف انتحر وحدي.
وبدأ يتحرك بعنف وغضب حتى سقط عن المنضدة وتحطم، وخرج من أشلائه المتناثرة طيف يحلق حاملا كلمات وشارات محبوسة داخلة عشرات السنين مثل: (نعم)، (لا)، (×)،()، ديموقراطية، شرعية، تزوير، انقلاب، انقلاب، انقلاب.