مقال: علمانيون على طريق العسكرة .. من تركيا إلى مصر

(الأرشيف)
(الأرشيف)

بقلم/ محمد حسين

إنّ المعركة بين العلمانية والإسلام معركة تاريخية على امتداد القرن الميلادي العشرين، وقد بدأت في تركيا قبل إسقاط آخر أشكال الخلافة الإسلامية، وما تزال مستمرة، وربما شهدت تركيا قبل سواها نهايتها، ولا يوجد ما يستدعي من أي بلد آخر أن ينتظر استمرار المعركة طويلاً قبل حسمها إذا ما أرادت نخبته السياسية حقاً الاستفادة من التجربة التركية.

لقد عبرت أصوات عدد غير قليل من المتشددين في التيار العلماني عن قلقها جراء النمو المطرد للتيار الإسلامي ووصوله إلى سدة الحكم في دول المنطقة وخاصة في مصر وتونس ومن قبلها تركيا، ورأت النخبة العلمانية هذه ومعها أيضا طائفة من اليسار المتشدد أن صعود التيار الإسلامي يهدد أسس الديمقراطية والعلمانية التي يرتكز عليها النظام السياسي الديمقراطي، ولم تغفر هذه النخبة المتشددة من العلمانيين لهذا التيار السياسي التزامه الواضح والعلني بقواعد اللعبة الديمقراطية، وتأكيده على التمسك بضمان الحريات والحقوق المدنية والدينية. فزعماء الاتجاه العلماني يرون أن التزام التيار الاسلامي ورفعه لشعار الديمقراطية ماهي إلا تكتيكات سياسية فرضها عليه الوضع  الراهن، وهو سيتنصل من كل الالتزامات إذا امتلك نفوذاً أقوى وشعبيةً أكبر. وهم بذلك ينقلبون على قيمهم ومبادئهم العلمانية الليبرالية، ويغوصون في مستنقع الغيبيات التي يكفرون بها، ويبحثون في النوايا ومحاكمة الناس عليها دون أن يكون لذلك رصيد من الواقع.

إنّ التجربة التركية للعلاقة بين الإسلام والعلمانية تجربة غنية، حافلة بمختلف العناصر، وشاملة للأوضاع الداخلية والعلاقات الخارجية، وذلك على امتداد ما يناهز ثلاثة أجيال متعاقبة، نحاول من خلال تتبعها أن نستوحي بعض المعالم والملاحظات والتي لا ينبغي إغفالها في حقبة انتقالية حافلة بالأحداث الكبرى على امتداد المنطقة الإسلامية عامة وفي مصر خاصة، ومن ذلك أنه:

1-      لا يمكن لأيّ نظام علماني في أي بلد إسلامي أن يصنع أكثر ممّا صنعه النظام العلماني في تركيا، لترسيخ دعائم العلمانية على كلّ صعيد، بدءً ببتر الجذور الثقافية التاريخية للمجتمع عبر تغيير حروف الكتابة، مرورًا بتحريم ألبسة شعبية تقليدية ومحاربة اللباس الإسلامي، وانتهاء بعملية تغريب قيمية وثقافية واجتماعية وسياسية وعسكرية، مع محاولة قسرية لم تنقطع لتثبيت "النسب الغربي الأوروبي" للمجتمع بديلاً عن النسب الإسلامي. ولا يزال السؤال المطروح من المنظور العلماني اليوم: ما السبيل إلى تثبيت العلمانية في تركيا والحيلولة دون استرجاع هويتها الإسلامية؟ والسؤال المترتب تلقائياً على ذلك: ما الذي يمكن صنعه في أي بلد إسلامي آخر كمصر ولم يصنع في تركيا على طريق فرض العلمانية المسلحة؟

      2- استغرقت النقلة من حكم عسكري مباشر يفرض العلمانية إلى حكم "ديمقراطي" يفسح المجال أمام التعددية الحزبية جيلاً كاملاً، ثم كان على القوات العسكرية التي تحوّلت إلى "حارس للعلمانية التركية" أن تقوم بثلاثة انقلابات عسكرية على الديمقراطية، لتحمي العلمانية من أحزابها وممّا تغلغل فيها من فساد مكشوف، وما وصلت إليه من إخفاق سياسي واقتصادي، أو للحيلولة دون عودة ظهور التيار الإسلامي سياسياً. ولم يعد منطقياً بعد هذه التجربة الطويلة لتسلّح العلمانية عسكريًّا، أن يُطرح السؤال عن حقيقة تعبير التوجّه العلماني عن الإرادة الشعبية وفق معايير الديمقراطية.

      3- خلال الجيل الثالث من التجربة التركية، التي يرمز إليها(أربكان) ثم(أردوغان)، لم تدع الدولة التركية تحت السيطرة العلمانية العسكرية سبيلاً من السبل إلا وسلكته للحيلولة دون صعود التيار الإسلامي عبر صناديق الانتخاب إلى سدّة الحكم، وشملت تلك السبل: الحظر، والاعتقال، والأحكام القضائية الجائرة، والحرمان من ممارسة العمل السياسي، والضغوط لإسقاط الحكومة، والضغوط على بقايا الأحزاب العلمانية لتتوحّد في جبهة واحدة، ثمّ بعد ذلك كلّه تجد العلمانية التركية نفسها أمام إخفاق هائل، فإخفاقها في تركيا يوجب السؤال عن المنطق الكامن في محاولات قسرية مشابهة لا تنقطع لاستخدامها في العديد من البلدان الإسلامية الأخرى ومصر نموذجها البارز الآن... فقد سعت الدولة العميقة هناك إلى إجهاض تجربة الاسلاميين في الحكم عبر ذات الأدوات، وتوجت ذلك بالاستنجاد بالعسكر والمؤسسة الدينية الرسمية الاسلامية والمسيحية في ردة واضحة عن مبادئها ومنطلقاتها الفكرية ومسوغات وجودها الأساسية!

    4- إنّ كافّة ما شهدته تركيا من صيغ للحكم العلماني أخفق في تحقيق الأهداف الأساسية المعتمدة لتحديد معايير نجاح الحكم في أي دولة، على الأصعدة الاقتصادية والمالية وعلى طريق النهضة التقنية والصناعية، إضافة إلى تثبيت مكانة دولية و"أداء دور إقليمي".

وبالمقابل، وبشهادة الأرقام، لم تعرف البلاد سياسات حكومية ناجحة للتخلّص من النسب الأسطورية للتضخم والديون الخارجية، وفي ضمان استقرار الأسواق المالية والاستثمارات، وفي تطوير الأوضاع الاقتصادية اعتماداً على الامكانات الذاتية، وفي مكافحة الفساد سوى في فترتين: أولاهما أشبه بالمعجزة الاقتصادية، إذ لم تستغرق سوى عام واحد في عهد أربكان وسرعان ما أجهضت، وثانيهما في عهد حكومة أردوغان وتم السعي لافشالها أيضاً من قبل العسكر وحلفائه العلمانيين.

إن التجربة التركية في الممارسة السياسية ينبغي أن تكون كافية لمختلف البلدان الإسلامية الأخرى لاستخلاص العبرة والدروس التاريخية المعاصرة، والوصول إلى نتائج تطبق على أرض الواقع، وتتحوّل إلى معايير لمصداقية أي دعوة لإقامة أوضاع مستقرّة مرتكزة للإرادة الشعبية وسلوك طريق النهضة في مختلف الميادين. ومن ذلك:

1- إنّ الفصل بين دور القوّات المسلحة في أي بلد، وبين ممارسة السلطة فيه، عنصر لا غنى عنه لأي حكم قويم، وإنّ كلّ تدخّل تفرضه القوّة العسكرية، ويفرضه حزب من الأحزاب -أياً كان اتجاهه- لتحديد طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، لا يفضي إلى استبداد مرفوض فحسب، بل يفضي أيضاً إلى عرقلة طريق النهوض في مختلف الميادين،ونموذجي تركيا ومصر باديان للعيان.

2- لا جدوى من استمرار التمسّك بأسلوب الوصاية على الإرادة الشعبية تحت عناوين صراعات حزبية وسياسية واتهامات وافتراءات، ومع رفع شعارات مستهلكة قديمة من قبيل "لا حرية لأعداء الشعب" أو مبتكرة حديثة من قبيل "شيطنة الإسلاميين" أو "سحقهم". ولا بدّ من التخلّي عن ذلك لصالح أرضية مشتركة تنطلق من تثبيت المصلحة العليا للبلاد هدفًا، وتحكيم الإرادة الشعبية وسيلة لعمل مشترك، وبناء مستقبلي مستقر.

3- إنّ الاحتكام إلى الإرادة الشعبية ليس شعارًا للمزايدات، بل مبدأ أساسي تنبثق عنه قواعد ما يسمّى "اللعبة السياسية"، ولا يمكن أن يستقرّ دون أن يشمل تطبيقه تثبيتَ المرجعية التي تختارها الغالبية وفق الاحتكام إلى الإرادة الشعبية لتوجيه الحياة والحكم. والإرادة الشعبية هي تلك التي تأتي عبر الصناديق وفق ماهو راسخ في النظم والآليات الديمقراطية، وليست الاحتكام إلى الديمقراطية (الشوارعية)التي مارستها سلطة الانقلاب العسكري العلماني في مصر في محاولتها لتجميل شكله وإيحائه بالتعبير عن الارادة الشعبية.

4- لقد أصبحت الديمقراطية صيغة سياسية مقبولة من طرف جميع الفرقاء السياسيين في تركيا إسلاميين وعلمانيين، يساريين ويمينيين، كما أن نصف قرن وأكثر من العمل الديمقراطي أدى إلى نشوء ثقافة ديمقراطية ومجتمع مدني نشط، يعتنق ويدافع هو بنفسه عن الديمقراطية والحريات التي يكفلها له نظامه السياسي. كما أدى إدماج الإسلام السياسي في العمل الديمقراطي ووجوده داخل دوائر الحكم وصنع القرار وتعرفه عن قرب على المشاكل والقضايا التي تواجه المجتمع التركي إلى كبح وتهدئة جماح منهجه وخطابه السياسي، فازدادت التجربة السياسية لهذا التيار اعتدالاً، وأصبح بكل هدوء جزءً من النسيج السياسي يعمل على تحقيق أهدافه داخل الإطار الديمقراطي التعددي. وذلك ما يجب أن تعيه النخبة العلمانية الليبرالية في مصر ومن ورائها العسكر إذا ما أرادت أن تثبت أنها لا تعاني من فصام بين المعتقد والممارسة العملية كما كانت نظيرتها التركية.

5- لقد بذلت العديد من المحاولات في تركيا لإيجاد منطقة توازن بين العلمانية المعادية للدين وبين الإسلام. فقد انتهت التجربة التي خاضها عدنان مندريس نهاية دموية. ولكن تركيا اليوم تختلف كثيراً عن تركيا الخمسينات. وكذلك الأمر بالنسبة لمصر فالتعامل الدموي البوليسي مع التيار الإسلامي الذي ميز حقبة الخمسينات والستينات مع تواصله بأشكال عديدة ومتجددة حتى قيام ثورة 25يناير 2011، لاشك أنه حقبة وانتهت فالتيار الاسلامي أصبح أكثر قوة وانفتاحاً وتفهماً لقواعد اللعبة السياسية، وقد ارتضى العملية الديمقراطية وسيلة للوصول للحكم، وهو يمتلك الكثير من أدوات الفعل والتأثير، وعلى النخبة العلمانية العسكرية إدراك ذلك جيداً فعقارب الساعة لا تعود إلى الوراء، ولم تعد اللعبة السياسية موضع احتكار العلمانيين وحدهم.   

ومع أنّ لكل بلد ظروفاً ومعطيات وشروطاً ذاتية تختلف عنها في بلد آخر إلا أن النموذج التركي القائم بذاته نموذج يتردّد ذكره في نطاق الدعوة إلى العلمانية في البلدان الإسلامية الأخرى، وفي نطاق الإشارة لصورة "الحزب الإسلامي" الممكن قبوله في ظل مرجعية علمانية، مثلما أصبح يتردّد ذكره أيضاً في كثير من الكتابات الإسلامية، بصدد دعوات التعامل مع واقع البلدان الإسلامية على غرار ما صنع "حزب العدالة والتنمية".وعلى العلمانيين والاسلاميين في مصر قراءة الدرس التركي بتمعن وتأن كبير لأن مصر يتهددها خطر داهم، ولابد أن يعي الجميع أن المؤامرة عليها كبيرة لإعادتها لبيت الطاعة الصهيوأمريكي الذي حبست فيه عقوداً طويلة. كما أن فشل القوى الكبرى في الانحياز للقيم الديمقراطية التي سوّقتها للعالم على أنها الوصفة الأكيدة نحو حكم قوامه الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الانسانية والتنمية المستدامة، يعني الرسوب الأكيد في امتحان الديمقراطية. 

 

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من مقالات