في ضوء تقدير الموقف الذي أصدره معهد فلسطين للدراسات الاستراتيجية الذي جاء تحت عنوان "قطاع غزة في ضوء سيناريوهات حربية محتملة" الذي خلص إلى ثلاث سيناريوهات محتملة، فيما يلي تحليلها:-
أولا:- الذهاب إلى شن حرب شاملة (برا وبحرا وجوا) على غرار حربي 2008، 2012ز حيث استند التقدير إلى الحملات الإعلامية عالية الوتيرة شديدة النبرة التي يتسابق المسؤولين الإسرائيليين (سياسيين أو عسكريين) إلى إطلاقها، والتلويح بضرورة مهاجمة قطاع غزة، أو اجتياحه، أو إعادة احتلاله ....، والتقدير يخلص إلى استبعاد هذا السيناريو لاعتبارات أوردها التقدير، وهي محل اعتبار وتقدير، وعلى الرغم من استبعاد التقدير لهذا السيناريو إلا أنه يظل قائما، لكن ليس كخيار أول. فالتعمق في دراسة هذا السيناريو تشير أن هذا السيناريو هو السيناريو الاستراتيجي لإسرائيل لكنه ليس السيناريو الأول في التطبيق، وذلك لجملة من الأسباب لعل من أهمها ما يلي:-
1- الوضع الدولي والإقليمي، ففي ضوء الاتفاق حول البرنامج النووي الإيراني وبالرغم من عدم رضا إسرائيل عنه، إلا أنه جاء كثمرة لتفاهم دولي أفضى إلى اتفاق حول الأسلحة الكيماوية السورية. إضافة إلى الجهود الدولية التي تبذل الآن لعقد مؤتمر جنيف الثاني حول الوضع السوري، والذي تتطلع إسرائيل من خلاله إلى لعب دور مهم وكبير فيه، لوضع بصماتها في حل الوضع السوري، الأمر الذي يضمن لها أمنها إلى جانب ما تحقق لها من إنجازات أخرى. وهذا الوضع يجعل من المستبعد أن تلجأ إسرائيل الآن إلى الدخول في حرب شاملة على قطاع غزة، لأن ذلك سيحول الأنظار من الوضع الإقليمكي (السوري خاصة) إلى الوضع في قطاع غزة تحت الحرب وفي ظل الحصار. وهذا من شأنه أن يحول مركز إسرائيل من لاعب مهم في قضايا المنطقة إلى موقع المدافع عن نفسه في ظل الانتقادات التي ستهب رياحها على إسرائيل بسبب الحرب على قطاع محاصر يشهد كثافة سكانية هي الأعلى عالميا. وما يرافق ذلك من سقوط ضحايا مدنيين يزيد من إحراج إسرائيل وحلفائها، لذلك ستتجنب إسرائيل هذا الخيار لإبقاء الأنظار مسلطة على الأزمات العربية، وتظل هي اللاعب الأساسي البعيد عن النقد واللوم.
2- الغموض الذي يكتنف قدرات المقاومة، والتعتيم الإستخباري الذي تعاني منه إسرائيل بخصوص إمكانيات المقاومة، وإلى أي مدى بلغت قدراتها، الأمر الذي ولد لديها خوفا من مفاجئات تخبؤها لها المقاومة، لا تعرف عنها إسرائيل شيئا، وتجد من الصعب وضع تصورات دقيقة لكيفية التعامل مع هذه المفاجئات ومع تطورات الأوضاع ميدانيا، التي لا تملك إسرائيل في ظل هذ المفاجئات أن تتحكم فيها بمفردها، فالمقاومة أصبحت ندا، وتملك من زمام المبادرة ما لم تمتلكه أية قوة عربية سابقا.
3- الخاصرة الضعيفة لإسرائيل، والمقصود هنا الجبهة الداخلية في إسرائيل، فهذا الضعف الذي أظهرته الحروب الأخيرة التي قامت بها إسرائيل، والمناورات التي أجرتها إسرائيل وفشلت خلالها من تقوية هذه الخاصرة، أو رفع كفاءتها وجاهزيتها. فهذه الخاصرة تجعل إسرائيل تقف عندها طويلا وتفكر عميقا قبل الإقدام على الدخول في هكذا مواجهة مفتوحة، إذ أن إسرائيل اعتادت قبل هذه الحروب على أن تخوض معاركها على أرض الخصوم، فتبقى خاصرتها بعيدة عن الضربات وفي منأى عن الألم الذي شكلته ضربات المقاومة في الحروب الأخيرة وخاصة في حرب 2012، عندما وصلت المقاومة إلى أقصى عمق كانت إسرائيل تظن أنه في مأمن وفي منأى عن أية أضرار من أية حرب، هذه الصواريخ قلبت كل المعادلات، وألغت الكثير من السيناريوهات السوداء التي كانت تحتفظ بها إسرائيل.
4- الاستعراضات العسكرية التي أقامتها المقاومة وخاصة سرايا القدس وكتائب الشهيد عزالدين القسام، والظهور المشترك والتنسيق العالي الذي ظهر في هذه الاستعراضات، أرسل رسائل واضحة لإسرائيل أن المقاومة وإن كانت تتبع فصائل إلا أن التنسيق الميداني يجعل منها وحدة واحدة وهذا أمر يثير قلق صناع السياسة ومتخذي القرارت في إسرائيل.
5- التكلفة الباهظة التي ستتكبدها إسرائيل في حال القيام بهذه الحرب الشاملة، لأنها ستكون حربا طويلة، تملك إسرائيل أمر إشعالها، لكنها لا تملك إيقافها، فما عادت إسرائيل تملك أمر بدء حرب وأمر إنهائها، فكل موقف أصبح له ثمن. قد تملك إسرائيل ثمن الدخول في الحرب لكنها قد لا تستطيع دفع ثمن استمرارها أو إيقافها. وهذا من الأمور التي أضحت تستوقف الإسرائيليين كثيرا.
6- تخشى إسرائيل أن الدخول في حرب شاملة من شأنه أن يدفع بقضايا أخرى في الشأن الفلسطيني إلى دائرة الضوء ويضعها على طاولة البحث الدولي، وهي أمور وقضايا حرصت إسرائيل لى إبقائها خارج هذه الدائرة وبعيدا عن هذه الطاولة. وتخشى أن يؤثر ذلك على مخططات إسرائيل الأكثر أهمية والتي تدخل فيها إسرائيل في سباق محموم مع الزمن مثل مساعيها لاستكمال تهويد القدس، وإخضاع المسجد الأقصى لسيطرتها، واستكمال مشروع التطهير العرقي الذي بدأ في النقب بمخطط برافر، وفي الأغوار وما بينهما التوسع الاستيطاني، التي تقوض في مجموعها الوجود الفلسطيني، وتنهي أية مشاريع أخرى في المنطقة.
ثانيا:- السيناريو الثاني، الذي جاء في التقدير هو توجيه ضربات جوية خاطفة ومباغتة، أو ربما عن طريق توغلات سريعهة كما هو معتاد. هذا هو السيناريو الذي كانت تفضله إسرائيل إلى ما قبل عملية نفق العين الثالثة، الذي وقعت فيه إسرائيل في كمين المقاومة، وفي هذا الكمين فقدت إسرائيل عنصر المباغتة، وعنصر المفاجئة، وهي من عانى من المباغتة والمفاجئة. وبالرغم من ذلك يظل هذا السيناريو حاضرا وبقوة أكثر من السيناريو السابق، مع أخذ إسرائيل احتياطات إضافية منها تخوفها من امتلاك المقاومة لأسلحة مضادة للطائرت أو للدروع أكثر تطورا مما كانت تملكه المقاومة سابقا، بحيث يشكل تهديدا أكثر خطورة على الوحدات العسكرية الاسرائيلية المنخرطة في العمليات ضد غزة،
ثالثا:- تشديد الحصار على غزة، وهذا السيناريو ظل قائما منذ بدأته إسرائيل منذ سنين خلت، وظلت إسرائيل تستخدمه كورقة ضغط وابتزاز لقطاع غزة أفرادا وجماعات. وقد استثمرت إسرائيل جهودا هائلة من أجل الإبقاء عليه واستنفرت حلفاءها في المنطقة وحلفاءها الدوليين من أجل التشديد على قطاع غزة وإبقاء مفاتيح الحصار بين يدي إسرائيل، تستخدمها وقتما تشاء وكيفما تشاء. وتحرص إسرائيل من خلال هذا السيناريو على إيقاع أكبر قدر من الخسائر والتسبب بأكبر قدر من الألم على الغزيين، حتى ينفضوا من حول المقاومة ويكشفوا ظهرها، لكن العكس هو ما يحص، ولم تعد المراهنة على نجاح هذا السيناريو في كسر ظهر المقاومة، والنتيجة المرجوة هي الإيلام، ولكن تحرص إسرائيل على استخدام هذا السيناريو بكثير من الحرص والدقة بحيث لا يقود هذا الوضع إلى الانفجار في وجه الاحتلال باعتباره في نظر الفلسطينيين عامة والغزيين خاصة هو المسؤول الأول عن أية معاناة يعانيها الفلسطينيون، في أي مكان، فما بالكم فيمن يتعرضون للايذاء المباشر بكل أشكاله وبكافة مستوياته.
تعيش إسرائيل حالة من الترقب، فمآلات الأمور إقليميا ودوليا، في ظل الاتفاق النووي الإيراني، الأوضاع المتقلبة في سوريا ولبنان ومصر، كلها أمور تأخذها إسرائيل بالحسبان وتخضعها للتفكير والتفكر والمراجعة قبل أن تقدم على أية خطوة ستخطوها. لذلك فإن السيناريو الأكثر حضورا هو سيناريو بعيد المدى، يجمع بين هذه السيناريوهات، وقد يستجد معها غيرها، فالمؤشرات تشير إلى أن إسرائيل ستستمر في حملة التحريض على غزة وعلى المقاومة، وستستمر في حشد التأييد لخطواتها، وستجمع حولها الحلفاء من المنطقة ومن خارجها، يشتركون معها في حملة التحريض ويهيئون الأجواء للتضامن والتأييد لأي خطوات قد تقدم عليها إسرائيل في حربها على غزة. والمرجح أن إسرائيل ستقوم بخطوات تدريجية تبدأ بعد الحملة الإعلامية بتشديد الحصار على غزة، مرورا بمناورات عسكرية تحمل دلالات ورسائل، واجتياحات محدودة أو ما يعرف في غزة بالتوغلات السريعة والخاطفة، وغارات وهمية وحقيقية سريعة، تهدف في مجملها إلى إشاعة الخوف والقلق في المجتمع، وإلى إرهاق المقاومة من خلال وضعها في حالة استنفار دائم وترقب مستمر، ومن أجل أن تستنزف قوة المقاومة والنيل من عزمها. ووضعها في حالة إرباك قبل الدخول في سيناريو الحرب المفتوحة، وهذا السيناريو الذي لن تلجأ إليه إسرائيل إلا في إحدى حالتين هما:
أ- أن تجد إسرائيل نفسها مضطرة إلى الدخول في حرب مفتوحة غالية التكاليف، وستدخلها تحت شعار تدمير قوة المقاومة، وهذا يعني الدخول في معركة تحدي كبير.
ب- أن تجد إسرائيل أن الظروف الإقليمية والدولية مهيأة وتدفع للدخول في مثل هذه الحرب، ويمكن استيعاب نتائجها عالميا وإقليميا، وهناك استعداد عالمي وإقليمي للمشاركة في دفع الثمن الذي ستتطلبه مثل هذه الحرب.
لا بد من الإشارة أيضا إلى أن المعركة بين المقاومة وإسرائيل لم تعد معركة عسكرية فقط، ولم تعد معركة إيلام أو عض أصابع، بل إنها تتطور لتأخذ سياقها الذي تخشاه إسرائيل وهو سياق معركة الوجود. المعركة الآن امتدت لتصبح أيضا معركة عقول وصراع أدمغة، وهو ميدان جيد أثبتت المقاومة قدرتها على دخوله وبجدارة، وهو ما كشف عنه نفق العين الثالثة، ومناطيد القسام الإستخبارية أيضا أرسلت لإسرائيل رسالة واضحة أن الفضاء لم يعد حكرا على إسرائيل، وأن الميادين الإستخبارية لم تعد إسرائيل وحدها فيها. ثم أن إسرائيل قد اختبرت ردود فعل المقاومة على جرائمها فكان الرد ما تسمعه وتراه إسرائيل داخل جبهتها الداخلية لا ما تسمعه في المؤتمرات الصحفية كما اعتادت. والمقاومة لا تؤجل فاتورة الحساب لتحتفظ بالحق في الرد في الزمان والمكان المناسبين، ما عادت هذه اللغة هي اللغة التي تسمعها إسرائيل.
وفي الختام، فإن المقاومة تمتلك سلاح لا تمتلكه إسرائيل، وهو أن المقاومة تطالب بحقوق، بينما إسرائيل تدافع عن باطل، وشتان شتان بين من يطالب بحقوقه ومستعد للتضحية من أجل نيلها وتحقيقها كاملة غير منقوصة، وبين من يدافع عن باطل. فأصحاب الحق أقدر على الثبات خاصة وهم يعتصمون بحبل الله ويستحضرون معية الله لهم، فإنهم يمتلكون قوة لا قبل للبشر بها، فيعجز أهل الباطل عن الصمود أمامها. والله غالب على أمره.