تبخّرت أحلام السيدة الفلسطينية مريم مع طفلها المنتظر، بعدما لاحظ الأطباء زرقة جسده عند الولادة، ليتبيّن لاحقًا أنه يعاني من تشوّه في القلب يُعرف بـ“رباعية فالوت”. لم تكتمل فرحة الأم، فحالة طفلها لا تبشّر بخير، كما أنها لا تعرف سبب إصابته بهذا العيب الذي بات –وفق الأطباء– الأكثر انتشارًا بين أمراض القلب الخلقية لدى حديثي الولادة في غزة.
الحالة السابقة ليست استثناءً؛ ففي غزة لم تعد الحرب حدثًا عسكريًا عابرًا، بل تحوّلت إلى قوة خفيّة تلاحق الحياة في أضعف لحظاتها. لا تكتفي بالقصف فوق الأرض، بل تتسلّل إلى الأرحام، وتعيد تشكيل مصير أجيال قبل أن ترى النور.
هذا التحقيق يتتبّع خيوط ما تصفه منظمات دولية وأطباء ومختصّون بـ“الكارثة الصامتة”: تشوهات الأجنّة، والولادات المبكرة، ووفيات المواليد، في سياق تتداخل فيه الحرب وسوء التغذية والتلوّث البيئي وانهيار النظام الصحي.
متابعة مستحيلة
تحذّر منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” من أن سوء تغذية النساء الحوامل في قطاع غزة لا يزال قائمًا رغم وقف إطلاق النار، نتيجة بطء إدخال المساعدات وعدم كفايتها. وتؤكد مديرة التواصل في المنظمة، تِس إنغرام، أن تقارير المنظمة وثّقت وفاة ما لا يقل عن 165 طفلًا خلال الحرب بسبب مضاعفات مرتبطة بسوء التغذية، كان بالإمكان تجنّبها.
وتكشف بيانات اليونيسف أن معدل وفيات الأطفال في يومهم الأول ارتفع بنسبة 75%، من متوسط 27 طفلًا شهريًا عام 2022 إلى 47 طفلًا شهريًا بين يوليو وسبتمبر 2025، رغم انخفاض عدد المواليد.
وترجع المنظمة هذه الزيادة إلى تداخل عوامل متعددة، أبرزها الولادات المبكرة، وانخفاض وزن المواليد، وازدياد التشوّهات الخلقية، إضافة إلى محدودية الرعاية الصحية قبل الولادة.
اليونيسف: ارتفاع وفيات الأطفال في يومهم الأول بنسبة 75%
في أحد مشافي غزة ترقد الطفلة جنة مطير، ذات الشهرين، في سباق غير متكافئ مع المرض. فقد وُلدت وهي تعاني من متلازمة “بيكويث–ويدمان” النادرة، التي تسببت في تضخّم الكليتين واللسان، وثقب في القلب، وفتق في السرة، وتضخّم في الجانب الأيسر من جسدها، إلى جانب انخفاض حاد في سكر الدم وصعوبات هضمية شديدة.
يؤكد الأطباء أن حالتها تتدهور سريعًا، وأن علاجها داخل القطاع شبه مستحيل في ظل انعدام الإمكانيات ونقص الحليب العلاجي، ما يجعل تحويلها إلى الخارج ضرورة عاجلة.
لا تتعلق معاناة جنة بحالتها الفردية فقط، بل تكشف هشاشة منظومة طبية بأكملها، حيث باتت أبسط مقومات الرعاية مفقودة.
طبيب حضانة: “سنشهد خلال السنوات المقبلة تضاعفًا في التشوهات نتيجة الحرب”
ويشرح أطباء أن الأزمة لا تتوقف عند نقص الدواء، بل تبدأ منذ الأشهر الأولى للحمل، فمع غياب الفيتامينات الأساسية مثل حمض الفوليك والحديد وسوء التغذية الحاد، تضعف أجساد الأمهات والأجنّة معًا.
ويشير هؤلاء إلى أن مواعيد متابعة الحمل تُؤجَّل لأيام وأسابيع بسبب ازدحام المشافي بالجرحى، فيما تحوّلت الولادة الآمنة إلى أمنية بعد مغادرة عدد كبير من الأطباء للقطاع، وعمل من بقي منهم فوق طاقتهم، إضافة إلى انعدام الكهرباء اللازمة لإجراء الفحوصات وحفظ المواد المخبرية.
يؤكد الدكتور بسّام أبو ناصر، استشاري طب الأسرة، أن الحمل في غزة “أصبح معركة بحد ذاته”، موضحًا أن الأشهر الثلاثة الأولى –وهي الأخطر في تكوين الجنين– تمر غالبًا دون متابعة تُذكر.
وينوّه إلى أن انتشار الزواج المبكر بين الفتيات (13–18 عامًا) يزيد من خطورة الولادات المبكرة والتشوّهات، في ظل النزوح والعيش في الخيام والضغط النفسي الدائم. كما يشير إلى أن بروتوكول متابعة الحوامل بات شبه مستحيل التطبيق، وأن أقسام الولادة تعمل فوق طاقتها، حيث تُجرى أحيانًا عشر إلى خمس عشرة حالة ولادة في غرفة واحدة.
في 28 يناير 2025، أصدرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” تقريرًا حذّرت فيه من المخاطر الجسيمة التي تواجهها النساء الحوامل في غزة، في ظل تدمير النظام الصحي واستمرار ظروف تهدد الحياة.
وأشارت المنظمة إلى شهادات خبراء في صحة الأمومة تفيد بارتفاع نسبة الإجهاض التلقائي بنحو 300% منذ 7 أكتوبر 2023.
هيومن رايتس ووتش: زيادة نسب الإجهاض التلقائي بنحو 300%
وفي يوليو الماضي، أكد الطبيب الأردني بلال جالعزام –جراح الأطفال الذي زار غزة ضمن وفد طبي أمريكي–أوروبي– أنهم عاينوا حالات تشوه خلقية ناتجة عن القصف المستمر، واصفًا المشاهد بأنها “مروّعة لم يشهد مثلها من قبل”.
الإحصاءات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة تتقاطع مع ما ذكره الأطباء؛ ففي عام 2025 وحده شهد القطاع 48,500 حالة ولادة نتج عنها 49,180 مولودًا، بينهم نحو 4,900 طفل منخفضو الوزن، و4,000 ولادة مبكرة، و315 حالة تشوّه خلقي موثّقة. كما سُجّلت 616 وفاة داخل الرحم، و5,000 حالة إجهاض قبل الأسبوع الرابع والعشرين، و450 وفاة خلال الأسبوع الأول بعد الولادة.
هذه الأرقام لا تمثل مجرد إحصاءات طبية، بل شهادة على حرب تستهدف القدرة على البقاء والاستمرار.
أسباب أكثر خطورة
في شمال قطاع غزة، وتحديدًا في مخيم جباليا، لم يكن سقوط القذيفة بحاجة إلى شظايا لتقتل. عندما ألقى الاحتلال قذيفة دخانية على منزل عائلة سلمى، تحوّل البيت خلال ثوانٍ إلى كتلة كثيفة من الدخان الخانق، ما جعل التنفّس شبه مستحيل. اختنق الأطفال داخل المنزل، وتعالت أصوات الاستغاثة من كل الزوايا.
لم تفلح محاولات الجيران في الدخول؛ فالدخان الكثيف وانعدام الرؤية جعلا الاقتراب مغامرة خطرة، قبل أن يلجأوا إلى كسر النوافذ وسحب السكان واحدًا تلو الآخر في مشهد فوضوي مختلط بالصراخ والخوف.
وسط هذا الرعب كانت سلمى –الحامل في شهرها الخامس– تحاول النجاة مع جنينها. استنشقت كميات كبيرة من الغاز وتعرضت لحالة هلع شديد قبل أن تفقد وعيها. وفي المستشفى أُبلغت بأن جنينها لم ينجُ. الإجهاض –وفق الأطباء– جاء نتيجة الاختناق والصدمة النفسية المفاجئة.
قصة سلمى تُضاف إلى سجل طويل من الخسائر غير المرئية، حيث لا تقتل الحرب بالصواريخ فقط، بل بالهواء الذي يُفترض أن يبقي الحياة ممكنة.
وتدفع قصص كهذه إلى سؤال أخطر: هل ما يحدث مجرد نتيجة للجوع وانهيار الخدمات، أم أن هناك عاملًا أعمق يلوّث الأرحام بصمت؟
تؤكد المعطيات أن الأسباب لا تقف عند حدود سوء التغذية وانهيار الرعاية الصحية.
فقد تحققت منظمات دولية –بينها هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية– من استخدام قنابل الفسفور الأبيض في غزة.
كما أفادت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بوجود تقارير تدعم ذلك.
خبير فيزياء إشعاعية: “استخدام مواد مشعّة يؤدي إلى تشوّهات الأجنّة”
ووفق تقييم دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام فإن مخلفات الحرب تشمل مواد مشعّة، والفسفور الأبيض، والهالوجينات، والمعادن الثقيلة، ما يخلّف أثرًا بيئيًا سامًا قد يؤدي إلى أضرار جسيمة على صحة الإنسان.
ويشير متخصصون في الفيزياء إلى أن استخدام متفجرات معدنية خاملة كثيفة أدى إلى تمزيق الأنسجة البشرية، وأن احتمال استخدام اليورانيوم المنضّب في بعض القنابل الثقيلة يثير مخاوف من تأثيرات بعيدة المدى على الأجنّة. ويؤكد الدكتور أنور عطا الله –خبير الفيزياء الإشعاعية– أن حجم ونوعية الأسلحة المستخدمة في غزة، بما فيها أسلحة محرّمة دوليًا، يفوق بأضعاف ما استُخدم في الحرب العالمية الثانية.
الصحة: تسجيل 315 حالة تشوّه خلقي موثّقة خلال 2025
ويضيف أنه لا يمكن تحديد ماهية الأسلحة بدقة بسبب غياب الإمكانيات المخبرية، جازمًا بأن المواد المشعّة قد تؤدي إلى السرطان وتشوه الأجنّة، وأن تأثيرها قد يصل إلى المادة الوراثية (DNA)، ما يستدعي تحركًا دوليًا عاجلًا لجمع العينات وفحصها.
القادم أخطر
الدكتور سامر لبد –طبيب الأطفال وحديثي الولادة الذي عمل في حضّانات عدة مشافٍ– يؤكد أن ارتفاع التشوّهات الخلقية بين المواليد “أمر ملاحظ منذ سنوات طويلة، وليس وليد المرحلة الحالية فقط”، موضحًا أن الطواقم الطبية رصدت هذه الظاهرة بشكل متواصل منذ عام 2016 وحتى اليوم.
ويبيّن لبد أن من أبرز أسباب التشوهات الخلقية زواج الأقارب، حيث يؤدي اجتماع الجينات المتشابهة داخل العائلة إلى زيادة احتمالية ولادة أجنة مصابة بتشوّهات أو متلازمات وراثية، بينما تقلّ هذه الاحتمالية عند الزواج من خارج العائلة.
كما يشير إلى أن الحروب المتكررة وما تخلّفه من إشعاعات وملوثات كيميائية وبقايا معادن ثقيلة ساهمت في ازدياد العيوب الخلقية، خاصة التشوّهات القلبية، موضحًا أن هذه الحالات بدأت بالظهور بعد سنوات من الحروب السابقة، خاصة بعد عام 2014، نظرًا لأن الطفرات الجينية الناتجة عن التلوث تحتاج وقتًا حتى تظهر.
ويضيف أن الحضانة تستقبل حالات متعددة من التشوهات، مثل تشوّهات الأطراف والوجه، إضافة إلى ازدياد حالات المتلازمات الوراثية، مشيرًا إلى أن بعضها يكون قاتلًا خلال السنة الأولى من العمر.
كما يؤكد لبد أن الولادة المبكرة تُعد السبب الأول لوفيات المواليد، وقد ارتفعت نسبتها خلال الحرب الأخيرة نتيجة تدهور الظروف المعيشية، وغياب المتابعة الطبية، وكثرة النزوح، والإجهاد البدني والنفسي الذي تتعرض له النساء الحوامل. ويشير إلى أن كثيرًا من الأمهات يلدن قبل تمام الشهر الثامن أو التاسع، ما يؤدي إلى ولادة أطفال شديدي الهشاشة يحتاجون إلى حضانات وإمكانات غير متوفرة.
طبيب: “الزواج المبكر وغياب الرعاية رفعا التشوهات والإجهاضات”
ويلفت إلى أن زواج القاصرات –الذي ازداد خلال الحرب– ساهم في ارتفاع الولادات المبكرة، نظرًا لعدم اكتمال التكوين الجسدي للفتيات، إضافة إلى ارتفاع مخاطر التشوهات والمتلازمات لدى النساء فوق سن الخامسة والثلاثين.
ويحذّر من أن آثار الحرب الصحية لم تظهر بالكامل بعد، متوقعًا أن تشهد السنوات المقبلة مزيدًا من حالات التشوّه والعيوب الجينية، نتيجة التراكم الطويل لمخلّفات الحروب، وتلوّث البيئة، وسوء التغذية، وتدهور المياه. ويشدّد على أن ما يُسجّل اليوم “قد يكون جزءًا مما سيظهر لاحقًا”.
تدعم هذه الشهادات نتائج دراسة علمية نُشرت في مجلة International Journal of Environmental Research and Public Health، أُجريت بعد حرب 2008–2009، وأثبتت وجود رابط قوي بين التعرض لمعادن الأسلحة في غزة وارتفاع نسب العيوب الخلقية والولادات المبكرة، بعدما كُشف عن ارتفاع مستويات الزئبق والسيلينيوم والقصدير في عينات شعر الأطفال ذوي العيوب الخلقية مقارنة بالأطفال المعافين، ما يعزز فرضية التلوث طويل الأمد.
في عام 2025 وحده، سُجّلت آلاف الولادات المبكرة، ومئات التشوهات الخلقية، وآلاف الإجهاضات، في أرقام لا يمكن فصلها عن سياق الحرب والحصار والتلوّث البيئي.
في غزة لا تلاحق الإبادة الأحياء فقط، بل تطارد الحياة وهي في بدايتها. الرَّحم الفلسطيني بات ساحة حرب مؤجلة تُزرع فيها آثار القصف والجوع والتلوث، لتحصد نتائجها أجيال لم تولد بعد.