صبري: ما زلت أحتفظ بثيابي التي أطفأت فيها حريق الأقصى

الشيخ عكرمة صبري
الشيخ عكرمة صبري

غزة-محمد أبو زايدة

خيّم الحُزن على شتّى ربوع فلسطين عقب نكبة عام (1948)، إلّا أنّ طفلًا من بين الملايين شعر بأنّها فرصته لأخذ إجازة ممتدة من المدرسة، وتفريغ وقته للعب كرة القدم، فأخذ كتلة من القماش وكوّن فريقًا من الأطفال، ولم يبالوا آنذاك بصوت زخات الرصاص.

وبعدما اشتدّ عوده، أصبح من أكثر المهتمين بكرة القدم، وشكّل فريقًا تلقّى خلاله العديد من الجوائز، ثمّ تمّ تعيينه مُدرسًا لمادة اللغة العربية والتربية الإسلامية بعدما أنهى مرحلته الجامعية؛ وكان إيمانه يتلخّص بجملة "أكثر من النشاطات اللامنهجية داخل مدرستك؛ تجد قبولًا على مجالس العِلم".

وبعدما واصل سلم ترقياته عبر سلسلة الأبحاث العلمية، وصله كتاب تعيين نصّه: "تمّ تعيين الشيخ عكرمة صبري خطيبًا للمسجد الأقصى"، واستمرّ في حياته، ورُغم ذلك لا يزال مشدودًا لمشاهدة مباريات كرة القدم عبر المحطات التلفزيونية؛ وقد تجاوز (79 عامًا)، قائلًا: "لم تمنعني عمامتي من مشاهدة مباريات كرة القدم".

"كُنت فرحًا ولم أتجاوز (9 سنوات) مع حلول النكبة الفلسطينية عام (1948)، لأنّ اللاجئين الذين تركوا ديارهم خشية الإبادة التي مارستها (إسرائيل)؛ قد استقروا في المدارس، وتمّ تعطيل الدراسة عاما كاملا"، يقول الشيخ عكرمة صبري؛ ويشير إلى أنّه تشارك في حينها مع أشقائه بجمع قروشهم؛ لشراء كرةٍ بدلًا من قطعة القماش التي كانوا يلعبون بها.

تحوّل المبلغ الذي استمر جمعه لقرابة الشهر، إلى كرة قدم، وشكّل أطفال الحي فريقًا لا يزال الشيخ عكرمة يحفظه، وعقدوا مبارياتٍ ودّية فيما بينهم، وصوت تهاليل الفرح التي صدحت من الهدف الأوّل الذي سدده ضيفنا، بقيت عالقة في ذهنه، وكلّما تسللت إلى ذهنه ذكرياتُ الطفولة وشقاوتها؛ يتبسّم، مُعلنًا إعادة شريطها.

مناغاة الطفولة

وفي أوّل الشريط؛ كانت الافتتاحية بمناغاة عكرمة بالخامس عشر من نوفمبر/تشرين الثاني (1938) حينما حضر إلى الدُنيا، ورقد في مهدهِ بمدينة قلقيلية شمال الضفة المحتلة، وعند العامين انتقل برفقة عائلته إلى مدينة نابلس؛ بسبب عمل والده.

"كبُرت على حُب كرة القدم، وعشتُ في كنف عائلةٍ متوسطة الحال، لرب أسرةٍ يعمل قاضيًا شرعيًا، كان له أثرًا على مسار حياتي حينما يرتّل القرآن كلّما جالسته؛ ما جعلني أسير على نهجه"، يقول صبري.

عاش عكرمة طفولته بالطريقة التي رسمها لنفسه، وكُلّما وجد متسعًا من الوقت؛ جمع أبناء حيّه وشكلوا فريقًا؛ وأقاموا استحكاماتٍ عسكرية -على نمط جيش الاحتلال الإسرائيلي- وصنعوا بواريدٍ خشبية، وكانوا يصدرون صوت رصاصهم بألسنتهم، حتى انتهت الإجازة التي استمرت عامًا كاملًا من لعب الأطفال، وعادوا لمدارسهم عام (1949).

يقول: "مع بدء الدراسة، دخلت في وحدة كشفية أقامتها المدرسة، وكُنت أميل إلى هذا التوجّه، وكان العائق في ذلك؛ عدم مقدرة والدي على شراء بدلة الكشافة ليتسنى لي الالتحاق بها".

وبعدما وصل الخبر إلى تاجر قماش يسمّى الحاج محمد العنبتاوي، نادى على عكرمة ورفع "طربوشه" تحيّة للفتى، وأخبره "شُبيك لُبيك.. اطلب واتمنّى يا عكرمة.."، وتمّ تفصيل البدلة التي حملت ذكرياتٍ وشهاداتٍ تكريمية طيلة فترة ارتدائها التي استمرت لسنواتٍ.

ومن أبرز نشاطاته المدرسية، التحاقه بدورة موسيقى، والتي احتفظت ذاكرته بمفاتيحها حينما رددها علينا بسُلّمها ونبراتها "دو - ري - مي - فا - صول - لا - سي"، وأردف: "كُنت منجذبًا لأغنية أمّ كلثوم التي تقول فيها: على بلد المحبوب ودّيني..، ولا زلت أسمعها كلّما سنحت لي الفرصة بذلك، لأنّها ترتبط بالمدينة المنورة".

تعليمه

قضى ضيفنا سنوات تعليمه بعدّة مدارس، بدأها بالغزالية الابتدائية بنابلس، ثمّ الشهادة الإعدادية والثانوية من المدرسة الصلاحية بالمدينة، حتّى تخرّج من الثانوية العامّة بتقديرٍ أهّله للحصول على منحة لدراسة بكالوريوس لغة عربية بالعاصمة العراقية بغداد عام 1963.

"مهنة التعليم فتحت لي أبواب الخير الذي لم أكن أتوقعه يومًا"

 

يعود بذاكرته لسنوات دراسته الإعدادية؛ مستحضرًا جلسات والده الذي ما فتئ يحثهم خلالها على التعليم، ومنها خرج عاشقًا للغة العربية وعلم الرياضيات، يقول: "كُنّا نقيم في مجالس الأسرة مبارزات أدبية، ما جعلني مقربًا من العربية بشكل كبير لأنني كُنت في معظم الوقت أحقق الفوز".

وبعد انتهاء أربع سنواتٍ دراسية قضاها الشيخ عكرمة في بغداد؛ تخرّج من قسم اللغة العربية، وعاد إلى أرض الوطن، ثم تولّى مباشرة مهنة التدريس بالأوّل من سبتمبر/أيلول (1963)، ليصبح مُدرسًا، ثم مُديرًا لذات المدرسة- ثانوية الأقصى الشرعية بمدينة القدس (المعهد العلمي الإسلامي سابقاً) عام (1967)، وترقّى فيما بعد مديرًا عامًا للوعظ والإرشاد عام 1974، ثم مفتيًا للقدس والديار الفلسطينية عام (1994)، ثم رئيسًا للهيئة الإسلامية العليا.

يعقّب على ذلك بقوله: "كانت بركة العلم قد فتحت لي أبواب الخير الذي لم أكن يومًا أتوقع أن أصل إليه".

يخبرنا عن أحد أهم أسباب نجاحه، الذي تمثّل في اختيار والده قدوةً يسير على نهجه، يستطرد: "كان يعمل قاضيًا، لكنّه اتبّع أسلوب نظافة اليد، والنزاهة المطلقة في القضاء، ولم يفسح المجال لأي صديق أو قريب أن يتدخّل في أمرٍ قد أصدره، فهو كاره للواسطات.. وعاش طيلة عمره بسيطًا على الكفاف".

ولوالد الشيخ صبري خمسة أبناء وأربع بنات، وكان طعام "العدس" هو زادهم المستمر، "لقلّة الراتب، والأزمة المالية التي كنا نعاني منها، والسبب أنّ والدي أصرّ أن يبقى نظيف اليد، ولم يرتشِ ليغطي مصاريف البيت، وجميع أبنائه جامعيون".

ويتابع: "حينما توليت إدارة المدرسة؛ لم أسمح لأي صديقٍ بالتدخل في علامات الطلاب، سواءً نجاحه أو رسوبه، فهذه واسطة مقيتة في مجتمعنا لا بد الحد منها.. ومع الأسف في هذه الأيام تسيطر الواسطات على تصرفات المحاكم والوظائف دون البحث عن الكفاءة".

 حريق الأقصى

توقف الشيخ عكرمة عن الحديث لثوانٍ معدودات، وأخرج من سمّاعة الهاتف صوتٍ (آآهٍ) أعادته للحادي والعشرين من أغسطس/آب (1969)، يقول بغصّة: "لم تكن يومئذٍ سياراتُ إسعاف.. صوت التكبيرات لا تزال عالقة في ذهني.. تعود المشاهد تتجسّد أمامي"، وهنا أعاد صمته وخرجت تنهيدة من صميمِ القلب تكاد تلفح أذني.

مشهد حريق المسجد الأقصى يمتثل أمام عينيه، وينقله لنا قائلًا: "كانت النار تشتعل بالأقصى، وكان منزلي قريبًا من المكان، ورأيت الذعر يسكن في قلوب الفلسطينيين، فهببت أشارك الناس في نقل التراب والماء بطريقة يدوية بدائية، والناس تكبّر وتبكي، وكلٌ يناول الآخر حتى يصل الماء لمكان الحريق، حتى تمكّنا في النهاية من إخماده".

"تسيطر الواسطة على تصرفات المحاكم والوظائف في مجتمعنا دون البحث عن الكفاءة"

تسللت ابتسامة عقب موجة حزن اجتاحته، ويتابع: "كُنت حينها أرتدي بدلة زرقاء اللون، وما زلت أحتفظ بها حتى اليوم؛ لأنّها عشقت رائحة الأقصى، وتعبّقت بدخان حريقه".

ولأنّ الذكرى ما زالت تتشبّث به؛ أجبرته على سرد قصّة عمامته التي يرتديها في جميع المحافل، يخبرنا: "كان والدي يرغب في أن أرتدي العمامة؛ لأنّها تعطيك رزانة، ولم أستجب في حينها لأنني وجدت نفسي حرًا".

"ورثت العمامة"

وفي التاسع عشر من مارس/آذار عام 1973، انتقل والد الشيخ عكرمة إلى الرفيق الأعلى، فشعر وكأنّ من باب البرِ له أن يرتدي عمامة كما والده، واعتبرها وصيّة، فلم يتركها جانبًا طيلة ظهوره سواءً الإعلامي، أو الإسلامي بالدول العربية أو الأجنبية.

يعقّب الشيخ عكرمة: "بعدما لبستها، تأكدت أنّها تُعطي الإنسان وقارًا، وتجبره على احترام نفسه كما الآخرين"، في حين جال بعمامته دولًا عدّة لنشر الدين، والمشاركة في فعالياتٍ تتعلق بالمسجد الأقصى والقضية الفلسطينية، ومن أبرز هذه الدول: "شمال افريقيا، ومصر، وليبيا، وتونس، والجزائر، والمغرب، والإمارات، والكويت، وعمان، والسعودية، وسوريا، والعراق، ولبنان، وبلجيكا، والنرويج، وبريطانيا، وفرنسا، وأمريكيا، وجنوب افريقيا، والصين، وكوريا الجنوبية، واليابان".

يبتسم من جديد وهو يتحدّث: "في الدول الأوروبية وجدت احترامًا لصاحب العمامة أكثر من الدول العربية، وكثيرًا ما أكون أسير بشنطة سفري في المطارات، وأجد أجانب يتنافسون لمساعدتي دون علمهم من أكون".

"هذا تاريخ لن أنساه"، يقول صبري، ويشير إلى أنّ الرابع من مايو/أيار (1973) كان أوّل صعوده على منبر المسجد الأقصى، ليلقي خطبة احتفظ في ذاكرته بجميع عناصرها.

يتابع: "تحدثت عن هجرة الشباب إلى خارج فلسطين، وانخراطهم بالمجتمعات الغربية دون الحفاظ على قدسية عروبتهم.. وكُنت ألقي كلماتي وأعتبر جميع من أمامي مثل طلابي الذين أدرسهم، وفي إحدى الخطب كان السادات متواجدًا أمامي في باحات الأقصى، ولم أكترث، وأكملت خطبتي".

وكُلّما عانق جبينه أرض الأقصى، يدعو بدعوة "اللهم احمِّ المسجد الأقصى من كل سوء"، ويشير لـ"الرسالة"، إلى أنّه يخصص الخطبة الثانية من كل جمعة للحديث عن القدس والأقصى، وتشجيع شدّ الرحال لهما، كما الرباط والعبادة داخل باحاته.

 مؤلفاته

وفي عام (1987)، وجد صبري في نفسه شغفًا لاستكمال تعليمه الجامعي، فدرس ماجستير الشريعة في جامعة النجاح الوطنية، ومن ثمّ أعقبه بعد أعوام بشهادة الدكتوراه في الفقه العام من كلية الشريعة والقانون في جامعة الأزهر بمصر عام (2001).

وخلال هذه الحقبة من الزمن، أسس صبري هيئة العلماء والدعاة في فلسطين عام (1992)، وتولّى رئاسة مجلس الفتوى الأعلى في فلسطين، وشارك في تأسيس رابطة مؤتمر المساجد الإسلامي العالمي بمكة المكرمة، وأضحى عضوًا في المجمع الفقهي الإسلامي الدولي بجدة، وانتخب رئيساً للهيئة الإسلامية العليا في القدس الشريف عام 1997، حتّى أصبح يملك نتيجة ذلك (55 بحثًا) قدمهم خلال مؤتمراته التي كان يمثّل بلاده فيها.

وأمّا عن مؤلفاته، فيملك (25 كتابًا)، كانت باكورتهم بـ"مذكرات في الحديث الشريف"، والذي كتبه أثناء أحداث حرب حزيران عام (1967)، حينما كانت فترة منع تجوّل، يقول: "كُنت أستفيد من مكوثي في البيت، وألجأ لمكتبة والدي، وبعد عناء؛ خرجت بكتابٍ من ثلاثة أجزاء".

 تحقيقات وتهديدات

وعن أوّل تحقيقٍ "إسرائيلي" تعرّض له الشيخ عكرمة، كان على خلفية تفجيراتِ سبتمبر في أمريكا، يقول: "قبل الأحداث؛ كانت لي خطبة جمعة ودعوت على أمريكا بقولي: اللهم كلل البيت الأبيض بالسواد، وبعدها بأسبوع حصلت التفجيرات، فأوعزت الولايات المتحدة لـ(إسرائيل) باستدعائي، لكنّ حجتهم لم تلقَ نجاحًا، فتمّ إطلاق سراحي".

"تعرضت لأوّل استدعاءٍ لي حينما دعوت قبيل أحداث سبتمبر اللهم كلل أمريكا بالسواد"

 

لكنّ (إسرائيل) لا تزال ترى في الشيخ صبري شوكة تنغّص حياتها، وفي معظم خطبه يتم استدعائه والتحقيق معه، "لكنّهم كانوا يخشون من ردة فعل الجمهور"، وعقب كل تحقيق يلوّحون بنفيي أو إبعادي.

وبعد (78 عامًا) قضاها عكرمة، يرى أنّه لا يزال مقصرًا، ينهي حديثه مع "الرسالة" قائلًا: "أرى أنّ الواجبات كثيرة علينا في فلسطين، وغير قادرين على تنفيذ جميع الأماني التي نطمح لها، ورغم ما بذلنا من الجهود أعتبر نفسي مقصرًا، وأمنيتي التي أعلّقها أن يرضى الله عني، وأكون بريئًا من هذه الدُنيا".

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من حوار