في غزة.. روث الحيوانات غاز حيوي وسماد طبيعي

في غزة.. روث الحيوانات غاز حيوي وسماد طبيعي
في غزة.. روث الحيوانات غاز حيوي وسماد طبيعي

الرسالة - وكالات

مزيج من ملامح السعادة والرضا ارتسم على وجه المزارع الغزي مروان محارب (55 عاما) بعدما أتم غلي إبريق مشروب الشاي المفضل بالنسبة له، وبات بإمكانه أيضا طهي ما يحلو له من الطعام على غازه الحيوي الذي صنعته يداه، متغلبا على ظروفه القاهرة، فلم يعد بحاجة لإشعال موقد الحطب أو إرهاق جيبه لدفع ثمن أنبوبة الغاز التجاري للقيام بتلك المهمة.

وفي وظيفة بدت له معتادة على بعد كيلومتر واحد من الحدود الشرقية لمدينة دير البلح وسط قطاع غزة حيث يقطن ينشغل مروان يوميا في تجميع بقايا طعامه وروث المواشي التي يربيها في مزرعته لتحويلها إلى "بيوغاز" بواسطة وحدة غاز منزلي يسد حاجة منزله ويؤمن لزراعته سمادا عضويا سليما.

يقول مروان إن الحاجة دفعته لهذا الابتكار في ظل ما يعيشه الناس في قطاع غزة من ظروف حياتية صعبة، وقلة توافر الغاز بشكل دائم، الأمر الذي زاد ثمن الأنبوبة التجارية حتى وصلت إلى 60 شيكلا (نحو 17 دولارا)، فشكل ذلك له دافعا لاعتماد الحطب لطهي الطعام على الرغم من أنه ملوث وليس لديه مال كاف لدفع ثمن الغاز التجاري.

وأوضح أن المزارعين في المناطق الحدودية النائية يعانون من الانتهاكات من قبل الاحتلال الإسرائيلي، إضافة إلى التهميش وارتفاع ثمن الأسمدة في الأسواق المحلية، حيث يصل اللتر الواحد إلى 12 شيكلا (3.3 دولارات)، ويجد صعوبة في شرائها، مستعيضا عنها بالسماد الذي ينتجه منزليا لتسميد محصوله الزراعي "البندورة" في مزرعته.

ويتابع أنه ينتج قرابة ثلاثة كيلوغرامات من روث الحيوانات وفضلات الطعام يوميا، وهي كافية لإنتاج ثلثي أنبوبة غاز.

وتقوم فكرة إنتاج الغاز الحيوي -حسبما شرح محارب- على تخمير المادة العضوية "فضلات المواشي والطعام" التي يتم سكبها مع قليل من الماء في وعاء داخل خزان الوحدة المنزلية، فتتحلل بفعل البكتيريا اللاهوائية عبر أشعة الشمس منتجة سائلا عضويا يتسرب عبر خرطوم ممتد للمنزل مكونا غازا للطهي، وآخر ممتد إلى المزرعة لتسميد النبات عضويا وليس كيميائيا.

نجاح تجربة إنتاج الغاز لمنزل محارب كانت واحدة من بين عشر تجارب حققت نجاحا على مستوى قطاع غزة، وساعدت الأسر الفقيرة في المناطق الحدودية الممتدة من جنوب القطاع حتى شماله على مقاومة فقرها.

والمشروع ذاته ممول من قبل الصليب الأحمر كمساهمة في توفير احتياجات المزارعين وتعزيز صمودهم في أراضيهم الشرقية، وكذلك الاستفادة بطريقة يتم فيها التخلص من النفايات الصلبية بأسلوب تكنولوجي بسيط وحديث.

وفي السياق ذاته، قالت المتحدثة باسم الصليب الأحمر سهير زقوت إن الفكرة مستمدة من الصين والهند وكثير من البلدان الأخرى التي تعتمد عليها بشكل كبير، موضحة أن طبيعة الظروف في قطاع غزة "حفزتنا كثيرا لتعميم ثقافة إنتاج غاز منزلي حيوي له نتائج مجدية ذات مميزات، أهمها أنه آمن وغير قابل للانفجار، لأنه بالأساس مكون من مواد عضوية غير مضغوطة، ومن السهل جدا على المستفيدين التعامل معه يدويا ببساطة".

وأوضحت أن أغلبية المستفيدين من تلك التجربة هم الشريحة الفقيرة التي بالكاد تستطيع توفير قوت يومها، وبلغت تكلفة المشروع للوحدة المنزلية الواحدة 600 دولار تكفلت المنظمة الدولية بدفع ثمنها لعلها تكون حافزا لتوسيع هذه التجربة على كافة المواطنين في غزة وصولا إلى إنشاء تدفئة مركزية بالأسلوب ذاته.

وأشارت إلى أن انتاج الغاز الحيوي المنزلي في الصيف يتضاعف عنه بالشتاء لأنه يعتمد مباشرة على أشعة الشمس التي تزيد فرصة التخمر في ساعات أقل.

ويعيش سكان القطاع أزمة إنسانية حقيقية تتفاقم خطورتها بين الفينة والأخرى بسبب تقنين إسرائيل دخول كميات غاز الطهي عبر معبر كرم أبو سالم، في ظل الأوضاع المتدهورة التي يعيشها السكان وارتفاع نسب الفقر والبطالة إلى أعلى مستوياتها، الأمر الذي يدفع أغلبية السكان لاستخدام وسائل طاقة بدائية تزيد التلوث البيئي.

بدروه، أكد الدكتور أحمد حلس المختص في علوم المياه والبيئة والصحة العامة على أهمية هذه التقنية من الناحيتين الاقتصادية والبيئية، فهي تساعد القطاع في التخلص من كميات النفايات الصلبة المتراكمة التي ينتجها يوميا.

وتصل هذه النفايات إلى 2000 طن، 65% منها مواد عضوية قابلة للتحلل، فبدل أن تلقى داخل مكبات النفايات وحرقها مما يسبب ضررا للبيئة وينشر الأمراض والأوبئة يعاد تدويرها بأسلوب حضاري صديق للبيئة.

واقتصاديا توفر على المواطن شراء أنبوبة غاز باهظة الثمن مقارنة بمستويات دخل العائلات المتدني في المناطق الريفية الحدودية التي تعاني من قلة حصولها على الخدمات.

ودعا حلس لتطوير هذه التجربة، والاتجاه إلى توفير طاقة كهربائية منزلية في ظل النقص الحاد في الكهرباء المغذية للقطاع.