حانوت أبو خديجة جار الأقصى المخلص

الرسالة نت- رشا فرحات

تاريخ مدينة القدس الممتد خالدا مخلصا موزعا بين بيوت وأزقة تجاور الأقصى، فتظل عبر السنوات جيرة المحبة والعرفان حامية لجدرانه من الانكسار واقتحامات المحتل والمستوطن.

على يسار المسجد الأقصى وقبل العروج إلى حائط البراق من جهة باب السلسلة ستمر على جار من جيرانه، هو العم عماد أبو خديجة، صاحب حانوت من ستة أمتار، وهو مكان ضيق استخدم قديما للتجمعات الشرائية الحضارية في العصر العثماني وهو ذو سقف مقوس مدعم بأعمدة مبنية من الفترة الأيوبية، عمره أكثر من ألفي عام.

ظل حانوت أبو خديجة مهجورا، لا يقبل الاحتلال ترميمه أو إصلاح ما سقط من حجارته، حتى لجأ صاحبه للمحاكم بوثائق تثبت وراثته للحانوت أبا عن جد.

ما يميز حانوت أبو خديجة هو تكوينه من طابقين، أولهما يعود إلى الفترة الصليبية ويحوي مخزنا مرصوفا بالحجارة مدعومة بأعمدة جيرية في قاعدة المكان، وحجارة مرصوفة إلى السقف.

وفي الجزء الأسفل من حانوت أبو خديجة يقع الممر الرئيس الذي يعود إلى الفترة البيزنطية، يتكون من قناطر تتصل بجسر يصل إلى المسجد الأقصى، وبناء عليه سمي حانوت أبو خديجة "طريق باب السلسلة".

يمتلك عماد أبو خديجة الذي اقترب من الستين حانوته حتى اليوم رغم محاولات الاحتلال التضييق عليه في كل خطوة من خطوات حياته، حيث يمنع من السفر تارة وتفرض عليه الضرائب المرتفعة تارة أخرى، ثم يكرر الاحتلال عرضه الذي حفظه أبو خديجة كل فترة بأن يشتري الحانوت مقابل 24 مليون دولار، وفي كل مرة كان الرفض هو الجواب.

يقول أبو خديجة: الطابق الأرضي من حانوتي يصل إلى المسجد الأقصى وحائط البراق وكنيسة القيامة، لو خيروني بمال العالم كله لن أفرط بحجر واحد من حجارة الحانوت وإرث الأجداد الذي يحاول الاحتلال طمسه.

ويلفت أبو خديجة أن حانوته يبعد عن حائط البراق مترين ونصف، وحينما رفض بيعه تعمد الاحتلال التضييق والضغط عليه، ففواتير الماء والكهرباء مرتفعة عمدا، رغم أن المكان لا يسكنه أحد.

وحاول الاحتلال مرارا أن يقتحم الغرفة التي لا تتجاوز بضعة أمتار والتي لم تكن من سنوات تدر أي دخل من أي نوع على أبو خديجة، بل يبذل جهدا في النوم هناك والرباط وحيدا، حيث يقول: كل حجر هنا يحكي قصة صمود، صمود إسلامي في وجه معتد على الحضارة الإسلامية، صمود عثماني وأيوبي لن أفرط فيه ما حييت لو دفعوا لي مال الدنيا سأظل وسأجدد فيه حتى أبرز كل حجر إسلامي قديم وأساعده على الصمود، وأريد أن يساعدني الجميع حتى يظل المكان مفعما بالحياة وسأحوله إلى مطعم ليكون ريعه في خدمة الأقصى.

أصبح الحانوت مكانا لاكتشاف الكثير من الآثار منذ التسعينيات، حلم كبير يمتلكه أبو عماد وحده، يريد منه أن يكبر فقرر البدء بالحفر بالجدار الخلفي منذ عام 1990 ولكنه توقف بعد عام بسبب منع الاحتلال له من إكمال حفره بعد اكتشاف ممر أثري آخر يعود إلى عصور قديمة لم يكن أحد قد اكتشفه مسبقا، ولكن أبو خديجة يؤكد أنه يحتاج إلى ترميم وإشراف من مختصين ولولا وثائق ملكية الحانوت التي بحوزته لكان الاحتلال قد استولى عليه بشكل مباشر.

وثائق أبو عماد لن تمنع الاحتلال من استخدام طرق ملتوية للسيطرة عليه كما يقول حيث يعرب عن توجسه من ذلك، ويقول إن عروضا كثيرة للترميم قدمت له من مؤسسات الاحتلال، لكنه يخشى الاستيلاء عليه بعد ترميمه، مشيرا إلى تراكم الضرائب الباهظة عليه.

تحول خان أبو خديجة اليوم إلى مقهى أثري جميل، مزين بالسبح الملونة، والأضواء التي تعكس حياة القدس المليئة بالتفاصيل والقصص، ويمكنك أن تتناول قهوته التركية وأنت جالس على مقاعد من القش مستنشقا هواء الأقصى وتنظر في وجه الجار المخلص وهو يحكي لك قصصا من التاريخ القديم مكتوبة على جدران حانوته.