المنحرفون فكريا.. رصاص قاتل في جعبة أجهزة المخابرات!

صورة "أرشيفية"
صورة "أرشيفية"

الرسالة نت- محمد عطا الله   

تحت جنح الظلام الدامس تحرك اثنان من "منحرفي الفكر" باتجاه حاجزين للشرطة الفلسطينية "المرور والنجدة" مساء يوم الثلاثاء 27 أغسطس الماضي، فجر أحدهما نفسه بدراجته النارية المفخخة في الحاجز الأول على مفترق الدحدوح بمنطقة تل الهوا، فيما فجر الثاني نفسه في حاجز آخر على الطريق الساحلي غرب مدينة غزة؛ مما أدى إلى استشهاد 3 من أفراد الشرطة وإصابة آخرين، ومقتل الانتحاريين في سابقة هي الأولى من نوعها بالقطاع.

أشعلت تلك التفجيرات التي جاءت في ظل أجواء متوترة يعيشها قطاع غزة بين فصائل المقاومة والاحتلال الإسرائيلي، نار الذكريات لحوادث مشابهة سابقة نفذها منحرفو الفكر وكان أبرزها حادثة اغتيال القائد القسامي المهندس مازن فقها يوم الجمعة 24 مارس 2017 أمام منزله بحي تل الهوى في مدينة غزة، وذلك بأربع رصاصات من مسدس كاتم للصوت.

وفي أغسطس من العام نفسه، فجر انتحاري "منحرف الفكر" نفسه في نقطة أمنية تتبع لقوات أمن الحدود، مما أدى إلى مقتله واستشهاد عنصر من أفراد الأمن بعد محاولته منعه من التسلل إلى الأراضي المصرية على الحدود الجنوبية لقطاع غزة.

وألقي القبض على مجموعة من المتهمين والمتورطين الأساسيين في حادثة التفجير الأخيرة والتي أودت بحياة 3 من أفراد الشرطة، التي كشفت عن مخطط كبير كان يعد لقطاع غزة، باستهداف مواقع أمنية ومدنية بغرض إثارة القلاقل لدى المواطنين بالقطاع.

ولم تكن تلك الأحداث بمعزل عن حوادث أخرى ارتبط فيها عناصر منحرفي الفكر الذين جندتهم مخابرات سلطة رام الله واستغلتهم لتنفيذ مسرحية "تفجير" موكب رئيس حكومة رام الله السابق رامي الحمد الله عند دخوله قطاع غزة في منتصف مارس العام الماضي.

أبعاد ودوافع

ما سبق دفع "الرسالة" إلى محاولة البحث وراء تكرار تلك الحوادث غير المألوفة في المجتمع الفلسطيني، وفهم أبعادها والدوافع الحقيقية لـ"منحرفي الفكر" والطرق التي يتم فيها الإيقاع بهم وتجنيدهم ودفعهم للقيام بأعمال قتل وتفجير من شأنها أن تزعزع الجبهة الداخلية لقطاع غزة.

وعن هذه الحوادث يشير مسؤولون ومختصون في المجال الأمني إلى أن الاحتلال ومخابراته إضافة لمخابرات دول أخرى يستغلون أصحاب هذا الفكر الذين يعملون تحت غطاء ديني لمصلحة هذه الأجهزة.

ويؤكد عقيد في جهاز الأمن الداخلي بقطاع غزة، إن أغلب من يتم القبض عليهم من منحرفي الفكر ثبت ارتباطهم بالاحتلال (الإسرائيلي) بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، ونفذوا أجندة لصالح مخابرات الاحتلال بغض النظر عن كونهم عملاء أو غير ذلك.

وكشف العقيد الذي فضّل عدم ذكر اسمه في حديثه لـ "الرسالة" أنه جرى إلقاء القبض على بعض منحرفي الفكر، في الأشهر السابقة حاولوا تنفيذ تفجيرات لبعض الأماكن في قطاع غزة بهدف زعزعة الأمن.

وبيّن أن جميع من جرى القبض عليهم في أكثر من حادثة ليس لهم جسم تنظيمي أو فعل مركب ومخطط، وإنما هم أشخاص التقت مصالحهم مع بعضهم في التشدد الديني وغيره من العوامل الأخرى.

الشرطة: اتصالات وهمية من مخابرات الاحتلال توقع بالمنحرفين فكريا

ولفت إلى أن أغلبهم غير متعلمين أو بدون درجات علمية ومنبوذون من عائلاتهم ولديهم مشاكل مع تنظيماتهم ويعانون من فراغ عقلي ويحاولون إثبات أنفسهم وخلق شخصية لهم من خلال تلك الأعمال.

وشدد على أنه بعد التحقيق معهم ثبت بالدليل القاطع أنهم يتلقون اتصالات ويتواصلون مع جهات عبر مواقع التواصل الاجتماعي يتبين في نهاية المطاف أنها تابعة لمخابرات الاحتلال الإسرائيلي، وأحيانا مخابرات السلطة.

وأشار إلى وجود محاولات من جهات خارجية لتشكيل مجموعات منظمة لهؤلاء الأشخاص، إلا أن هذا الأمر باء بالفشل نتيجة عدم وجود حاضنة شعبية أو تنظيمية، مبينا أن العامل المشترك بينهم هو الحقد والنقمة على المجتمع.

اتصالات وهمية

وفي إطار بحث معد التحقيق خلف دوافع "منحرفي الفكر" قابلنا مدير عام العلاقات العامة والإعلام في جهاز الشرطة الفلسطينية المقدم أيمن البطنيجي، الذي كشف عن وجود اتصالات بين أغلب من يتم القبض عليهم مع جهات خارجية تدعي أنها من تنظيم القاعدة وداعش وهم بالأساس مخابرات (إسرائيلية).

ويوضح البطنيجي لـ"الرسالة" أن أجهزة مخابرات الاحتلال تقوم بربطهم- أي منحرفي الفكر- ببعض العملاء في القطاع والمشبوهين بهدف حضهم على القتل والانتقام وتطهير أنفسهم، من خلال تفجير أنفسهم أو القيام بعمليات قتل تحت غطاء ديني.

وأضاف أن وصول الأمر لهذا المستوى من الإجرام بتفجير هؤلاء لأنفسهم في أبناء الشرطة المدنيين أمرا ليس سهلا وغير متوقع وهو بحاجة لتكافل الجميع من أجل إنهاء هذه الأعمال الخطيرة.

ويعتقد الكاتب والمختص في الشؤون الأمنية محمد أبو هربيد أن عدة عوامل مجتمعة تبدأ من التنشئة وتنتهي بالإحباط والفراغ العقلي والانحراف الفكري هي أبرز الدوافع لتلك الحالات التي تتحول من حالة مجتمعية إلى أمنية.

ويقول أبو هربيد لمعد التحقيق إن أغلب المنحرفين يحاولون الانتقام بعد معاقبتهم من تنظيمهم وأسرهم ويبدأون بالبحث عما يغذي هذه الغريزة فيقعون ضحية للمخابرات والجهات الأمنية التي تستغلهم وتوجههم عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

مصدر بالأمن الداخلي: أغلب المنحرفين مرتبطون بالاحتلال ودافعهم الانتقام والتشدد

ويتابع أن انحراف الفكر ينتج عن عملية تزييف الوعي وغسيل الدماغ من أفراد مندفعين للقتال والجهاد يتم السيطرة على عقولهم ودفعهم لأعمال إجرامية دون وعي بما يقومون به.

ويوضح أبو هربيد أنه لا توجد جهة بغزة تديرهم وكل الحالات السابقة كانت تجيير وتسخير من جهات خارجية والتعامل يكون بشكل خيطي وصامت وبتحريك خارجي.

ويستبعد أن تكون تلك العمليات منظمة، كونه يسهل تفكيكها واكتشافها في تلك الحالة.

 وعن العامل المشترك بينهم يؤكد أن الحقد على المجتمع والإيمان بالتغيير الخشن نتيجة للظروف التي مر بها منحرف الفكر، والجهات الأمنية المعادية التي تحركه وتحاول استغلاله للإضرار بأكبر قدر ممكن ولتحقيق مآربها الخاصة.

ويلفت إلى أن الأصل في إنهاء تلك المشكلة، ليس حلا أمنيا بحتا وإنما علمي متأصل قائم على أسس وقواعد علمية من الأسرة وصولا للفكر والحجة بالحجة والبرهان بالرهان.

ويُكمل المختص الأمني أبو هربيد: "تفكيك هذه الحالة يتم بدراسة البيئة وكل شخص على حدة ومن ثمة تحديد العوامل المشتركة، أما الحل الأمني فيجب أن يكون آخر المطاف وتفكيك هذه الظاهرة يحتاج إلى عملية مستدامة وتوعية فكرية".

علاقات أمنية

العميد زكي الشريف رئيس هيئة التوجيه السياسي ومسؤول الملف الفكري في وزارة الداخلية، أكد أن عددا كبيرا من هؤلاء مرتبط بعلاقات أمنية بالمخابرات سواء التابعة للسلطة أو الإقليمية ومن خلفهم الاحتلال.

وقال الشريف لـ"الرسالة" دوافع عديدة ترتبط بسلوك هؤلاء أقلها الدافع الفكري، "فقلة من ينحرفون على أساس فكري، وغالبا ما يتم التعامل معهم"، لكنّ الدافع الأهم هو الانتقام.

وأشار إلى أن من بين دوافع التطرف، التعاون الأمني مع أجهزة أمنية ومخابراتية، بهدف ضرب الجبهة الداخلية، وأن عددا من الحوادث التي جرت في القطاع، تبين وقوف جهات أمنية خلفها استغلت بعض المتطرفين.

مختص أمني: جهات أمنية ومخابراتية توظف المنحرفين لزعزعة الأمن وتنفيذ أجندة خارجية

وأضاف: لامسنا وجود دوافع أمنية للاحتلال، إضافة إلى دوافع فكرية نادرة، وهناك دوافع مرتبطة بالحقد والنقمة على المجتمع نتيجة ظروف مجتمعية أو اقتصادية.

وأكد أن علاج الظاهرة يأخذ مسلكين، أولهما الفكري والتوعوي من طرف وزارتي الداخلية والأوقاف والعلماء، بالإضافة إلى التواصل مع الوزارات المعنية بالتشغيل لتوفير الحد الأدنى الذي يمكن أن يوفر فرصة عمل لهم.

وأوضح أن البعض الذي أصر على العنف رغم عملية التوعية، جرى التعامل معه بمقتضى القضاء والقانون، والتواصل مع العشائر والعوائل ومختلف الشرائح التي تجمع على نبذ العنف.

وبالعودة إلى المقدم البطنيجي فإنه يؤكد أن البيئة والواقع في قطاع غزة طارد لهؤلاء العناصر وأفكارهم الشاذة، الأمر الذي يجعل هذا الأمر حالات عابرة وليس ظواهر لها قواعد في المجتمع الفلسطيني.

وأشار إلى أن تلك الحوادث لن تفت من عضّد الأجهزة الأمنية أو تثنيها عن دورها في حماية أبناء الشعب الفلسطيني، لافتا إلى أن الاحتلال حاول على الدوام كسر أجهزة الأمن والعبث بالجبهة الداخلية لكن جميع محاولاته تبوء بالفشل.

عقيدة خاطئة

ويرى أستاذ الفقه المقارن وعميد كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية سابقا د. ماهر السوسي أن الانحراف الفكري لا يتعلق بالناحية الدينية وإنما يتكون نتاج مجموعة من العوامل المختلفة التي تجتمع وتؤدي إلى الانحراف والتطرف في نهاية المطاف.

ويبين السوسي في حديثه لـ"الرسالة" أن تلك العوامل تتمثل بالفهم الخطأ لمقتضيات العقيدة الإسلامية، ما ينتج عنه علاقة خطأ بين الإنسان وخالقه وهذا الخطأ هو صورة من صور الانحراف الفكري.

التوجيه السياسي: دوافع أمنية خلف المنحرفين وأخرى مرتبطة بالحقد والنقمة على المجتمع

وأشار إلى أن من المسببات كذلك سوء العلاقة الاجتماعية والاقتصادية والفقر لمنحرفي الفكر وعدم الاهتمام بالتعليم الصحيح والتربية الإسلامية التي تفتضيها عقيدة الوسط لدى المسلمين.

ويتابع: يعتبر منحرف الفكر أن المنظومة المحيطة به خطأ ويحاول معالجتها بفكر غير الفكر الموجود، ويلجأ إلى مجموع الأفكار الشاذة التي يعتقد أنها قد تغير من الحياة وتصله لبر الأمان.

ويلفت إلى أن أي معالجة تحتاج إلى معالجة وتصحيح الأسباب التي أدت لانحراف الفكر وإزالتها إلى جانب تعزيز مفاهيم العقيدة ومقاصد الشريعة الصحيحة، وتبني منظومة ثقافية من قبل وسائل الإعلام على اختلافها توضح مبادئ الفكر السليم.

وفي نهاية المطاف يمكن القول إن معالجة الأسباب والظواهر والدوافع "لمنحرفي الفكر" والتي تجعل منهم ضحايا وأعداء لمجتمعهم ووطنهم وينفذون أجندات الاحتلال، خطوة مهمة على طريق معالجة الحوادث والحد منها أو منع تكرارها.