تقف قيادة السلطة الفلسطينية أمام تحد كبير عشية إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المرتقب عن خطته لـ "تسوية" الصراع، المعروفة بـ "صفقة القرن". فإعلان ترامب بشكل رسمي الخطة التي توصل إليها بالتشاور مع ممثلي حكومة اليمين المتطرف في (تل أبيب)، كما كشفت صحيفة "يديعوت أحرنوت"، سيقلص هامش المناورة المتاح أمام رئيس السلطة محمود عباس.
فكما تجمع التسريبات على أن الخطة العتيدة تتضمن إسنادا أمريكيا لقيام )إسرائيل( بضم منطقة "غور الأردن" والمستوطنات اليهودية؛ وبمنح (تل أبيب) حصريا الصلاحيات الأمنية في الضفة الغربية، وتسدل الستار على قضيتي القدس واللاجئين؛ وهو ما يعني أن قيادة السلطة الفلسطينية ستؤكد مجددا رفضها السابق لـ "الصفقة" بعد الإعلان عنها.
اللافت أن إصرار ترامب على إعلان الخطة رغم إدراكه الرفض الفلسطيني المسبق لها يعني أن الإعلان يهدف فقط إلى توفير المبررات لكي يعلن رئيس الحكومة )الإسرائيلية) نتنياهو ضم غور الأردن والمستوطنات في حين يصدر ترامب مرسوما "رئاسيا" بالاعتراف بالضم، كما فعل عندما اعترف بضم (إسرائيل) هضبة الجولان.
ومما يفاقم الأمور تعقيدا أمام قيادة السلطة حقيقة أن النظام الرسمي العربي يبدو لامباليا إزاء إعلان الخطة، على الرغم مما تتضمنه من بنود تمثل تصفية حقيقية للقضية الفلسطينية. فلا يوجد ما يدل على أن الجامعة العربية التي سارعت لعقد اجتماع لمناقشة تداعيات التدخل التركي في شمال سوريا ستقدم على أي تحرك لمواجهة ترامب.
من ناحية نظرية، فإن قيادة السلطة لا تنقصها الحاجة لاتخاذ قرارات سياسية لمواجهة "الصفقة". فقد سبق أن عقد كل من المجلس المركزي والمجلس الوطني الفلسطيني ثلاثة اجتماعات منذ أن أعلن ترامب اعترافه بالقدس وقراره نقل السفارة إلى المدينة المحتلة، صدر عنها مجموعة من القرارات التي تناولت إعادة النظر في مجمل العلاقة مع (إسرائيل) وضمن ذلك وقف التعاون الأمني مع جيش الاحتلال.
لكن قيادة السلطة لم تطبق أيا من هذه القرارات لأن عباس وقيادة السلطة أثبتوا أنهم غير مستعدين لدفع كلفة تبعات مواجهة مع الكيان الصهيوني، ناهيك عن أنها راهنت على أن تسفر الجولات الانتخابية الصهيونية عن حكومة تكون مستعدة للعودة لمسار المفاوضات السابق.
ومع كل ما تقدم، فأنه يفترض أن تكون قيادة السلطة مطالبة بإحداث تحول على نمط سلوكها بسبب خطورة وجسامة التداعيات العملية لإعلان "صفقة القرن".
ففي حال تم ضم منطقة "غور الأردن" التي تمثل حوالي 30% من مساحة الضفة الغربية والمستوطنات اليهودية التي تنتشر على حوالي 12% من الضفة وشبكة المواصلات التي تربط بينهما وبين (إسرائيل) والقواعد العسكرية التي تؤمنها، فإن هذا يعني أن السلطة الفلسطينية لن تكون قائمة عمليا من ناحية سياسية، على اعتبار أن حوالي 42% من مساحة الضفة، ستكون تحت "السيادة" (الإسرائيلية).
إلى جانب ذلك، فإن الإعلان عن صفقة القرن سيتم بعد أن أعلن وزير الحرب (الإسرائيلي) نفتالي بنات عن تشكيل "منتدى الصراع على المنطقة ج"، وهي المنطقة التي تمثل أكثر من 60% من مساحة الضفة. وحسب ما أعلنه بنات، فإن "المنتدى" سيكون معنيا بشكل خاص بتسهيل سيطرة المستوطنين اليهود على الأراضي الفلسطينية الخاصة، وتقليص الفرص أمام القرويين الفلسطينيين لتقديم التماسات ضد قرارات مصادرة أراضيهم.
من هنا، فإن إعلان "صفقة القرن" والشروع في ضم أجزاء من الضفة يسدل الستار عمليا على البرنامج السياسي لعباس، الذي ارتكز إلى شعاره المعروف "البديل عن المفاوضات هو المفاوضات".
إن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يتجه عباس في ظل هذه الأوضاع إلى تفعيل القرارات التي أصدرها كل من المجلس الوطني والمجلس المركزي، وتحديدا فيما يتعلق بالتعاون الأمني وسحب الاعتراف (بإسرائيل)؟
سلوك هذا المسار يعني أولا الاستعداد لمواجهة مباشرة وغير مسبوقة بين (إسرائيل) والسلطة الفلسطينية، وهي المواجهة التي حرص عباس حتى الآن على تجنبها، مع العلم أن خوض هذا المسار يستدعي حتما توحيد الصف الفلسطيني الداخلي.
التجربة تقول إن عباس ينظر لموضوع المواجهة من زاوية السلامة الشخصية، لذا لن يقدم على خطوة نضالية تهدد سلامته الشخصية.
وبغض النظر عن المسار الذي تسلكه قيادة السلطة في أعقاب الإعلان عن "صفقة القرن"، يبدو في حكم المؤكد أن الشعب الفلسطيني لن يسمح لقيادة السلطة مواصلة نمط علاقتها الحالي مع (تل أبيب)، القائم على التعاون الأمني، بعد أن يتم ضم حوالي نصف الضفة الغربية (لإسرائيل).
فالشارع الفلسطيني يمكن أن ينفجر في أية لحظة وتندلع انتفاضة ثالثة بشكل ينسف حسابات (إسرائيل) والولايات المتحدة ونظم الحكم العربية وقيادة السلطة والتنظيمات الفلسطينية.