مقال: حكومة نتنياهو القادمة.. حسم الصراع مع الفلسطينيين أم تأجيجه؟

صالح النعامي
صالح النعامي

صالح النعامي

ستمثل موجة عمليات المقاومة المتواصلة في أرجاء الضفة الغربية، التي تعد الأوسع منذ موجة العمليات التي شهدها العام 2015، أحد أهم التحديات التي ستواجهها الحكومة الإسرائيلية القادمة برئاسة بنيامين نتنياهو.

وتعد قدرة الحكومة العتيدة على مواجهة الفعل الفلسطيني المقاوم اختبارا مهما للأحزاب التي تمثل اليمين الديني المتطرف التي ستشارك في هذه الحكومة، والتي تعهدت خلال الحملة الانتخابية بإخماد جذوة المقاومة المشتعلة عبر طيف واسع من الالتزامات التي قدمتها للجمهور، كوصفة، ليس فقط لإنهاء هذه الموجة من العمليات؛ بل أيضا لحسم الصراع مع الشعب الفلسطيني لصالح إسرائيل.

ونظرا لأن الأحزاب المشاركة في الائتلاف الحاكم القادم، وتحديدا حركة "الصهيونية الدينية" بزعامة بتسلال سموتريتش و"الكاهانية" بزعامة إيتمار بن غفير تقدم نفسها كممثلة لجمهور المستوطنين اليهود في الضفة الغربية، الذي يعد الهدف الرئيس لعمليات المقاومة، فإن محاولة إخماد هذه الموجة من عمليات المقاومة ستكون على رأس أوليات الحكومة القادمة.

تدرك الأحزاب التي ستمثل في حكومة نتنياهو القادمة أن حكومة تصريف الأعمال الحالية بزعامة يائير لبيد قد عجزت عن وضع حد لعمليات المقاومة، رغم أنها أطلقت يد جيش ومخابرات الاحتلال ومنحتهما هامش حرية مطلقا للعمل في جميع أرجاء الضفة الغربية وبكل الأدوات المتاحة.

فجيش الاحتلال يواصل شن حملة "كاسر الأمواج" التي شرع فيها منذ أكثر من 7 أشهر، التي يقتحم في إطارها جميع مدن الضفة الغربية وينفذ عمليات دهم واعتقال وتصفيات جسدية ضد من يشتبه بدروهم في العمل المقاوم. كما يستفيد جيش الاحتلال من تعاون السلطة الفلسطينية الأمني، الذي ثبته دوره المهم في تقليص تأثير ودور بعض تشكيلات المقاومة، وتحديدا مجموعة "عرين الأسد" في نابلس. ومع ذلك، فإن عمليات المقاومة ما زالت تفاجئ الاحتلال على صعيد التوقيت والمكان وطابع الأهداف.

ونظرا لإدراك مكونات الحكومة القادمة أن جيش الاحتلال فشل في وضع حد لعمليات المقاومة رغم استنفاده الحلول الأمنية والعسكرية فقد اتجهت إلى إطلاق تعهدات شعبوية بإخماد المقاومة بتبني تكتيكات أمنية وعسكرية أكثر قسوة. فقد تعهد القيادي في "الليكود" يوآف غالانت، الذي من المتوقع أن يشغل منصب وزير الدفاع في الحكومة القادمة بمحاولة تجفيف بيئة المقاومة في الضفة عبر وسائل عسكرية وأمنية لم يتم تطبيقها حتى الآن؛ فغالانت المعروف بتطرفه، يخطط لتوظيف موقعه الجديد في التمهيد للوصول إلى قيادة الليكود ورئاسة الحكومة في المستقبل.

وتجاهر الأحزاب التي ستشارك في الحكومة القادمة بسعيها لإحداث تحول كبير على البنية القانونية والإدارية، بحيث يتم منح الحكومة العتيدة سلة أدوات جديدة ترى أنها ستساعد على وقف العمل المقاوم.

فبعض أحزاب الائتلاف القادم تصر على تمرير قانون يسمح بفرض حكم الإعدام على المقاومين الفلسطينيين الذين يقتلون أو يجرحون جنود الاحتلال ومستوطنيه؛ وسن قانون آخر يشرع طرد من يثبت تحريضه على إسرائيل. ويصر بن غفير، الذي سيتولى منصب وزير الأمن الداخلي في الحكومة القادمة، على تغيير أوامر إطلاق النار، بحيث يمنح الجنود وعناصر الشرطة هامش حرية واسع في استهداف كل من يرون مصدر تهديد من بين الفلسطينيين وتمرير قانون يمنح الجنود حصانة من المحاكمة حال قتلوا فلسطينيين.

كما أن احتكار قادة اليمين المتطرف حقائب وزارية حساسة ذات علاقة بإدارة الصراع ضد الشعب الفلسطيني يمنحهم القدرة على اتخاذ إجراءات إدارية تصعد من المواجهة ضد الشعب الفلسطيني. فعلى سبيل المثال يمكن لبن غفير أن يحول الشرطة، التي تخضع لإمرته بصفته وزيرا للأمن الداخلي، إلى مليشيا تطبق أجندته المتطرفة؛لا سيما بعدما تلقى تعهدا من نتنياهو بتعديل القانون ليكون صاحب صلاحيات مطلقة على جميع تشكيلات الشرطة.

ستسهم سياسات حكومة نتنياهو القادمة في توفير بيئة تسمح بتوحيد ساحات العمل النضالي الفلسطيني، حيث إن مكونات هذه الحكومة أوضحت بأنها ستستهدف فلسطيني الداخل بشكل لا يقل عن الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة مما سيوسع من رقعة العمل المقاوم بشكل قد يفضي إلى استنزاف جيش الاحتلال وموارد إسرائيل

لكن قادة الحكومة الإسرائيلية القادمة سيكتشفون أن تصعيد الإجراءات الأمنية والعسكرية والتوسع في سن القوانين الهادفة إلى تجفيف بيئة العمل المقاومة، سيكون مجرد سهم مرتد وسيفضي إلى نتائج عكسية.

فتصعيد العمليات العسكرية والأمنية يمكن أن يفضي إلى خفض أو وقف عمليات المقاومة لو كان الأمر يتعلق بعمليات تنفذها بنى تنظيمية للمقاومة. لكن معظم عمليات المقاومة التي تتواصل في أرجاء الضفة الغربية عمليات فردية ينفذها شباب لا ينتمون إلى تنظيمات، مما يجعل مهمة الحصول على معلومات استخبارية مسبقة لإحباط العمليات قبل وقوعها مستحيلة.

كما أن الرهان على تحييد قطاعات واسعة من الشباب الفلسطيني عن مسار المقاومة عبر تحسين الأوضاع الاقتصادية في الضفة الغربية من خلال منح فرص للعمل في إسرائيل قد ثبت فشله. فالمحافل الأمنية الإسرائيلية تقر بأن عمليات المقاومة تتواصل رغم التحسن الذي طرأ على الأوضاع الاقتصادية مما يدل على أن التوجه لتنفيذ عمليات المقاومة يعكس سريان روح نضالية وطنية ترنو إلى التخلص من الاحتلال مع الاستعداد لدفع الثمن. فالشباب الفلسطيني الذي ينفذ عمليات المقاومة يقدم على ذلك في ظل يقينهم أن جيش الاحتلال سيهدم منازل عوائلهم كصورة من صور العقاب الجماعي الهادف.

في الوقت ذاته فإن تشريع فرض حكم الإعدام على المقاومين، الذي يبشر به بن غفير، يفتقد أي أثر ردعي؛ على اعتبار أن منفذي عمليات المقاومة يفترضون أنهم لن يبقوا أحياء، فضلا عن أن إصدار أحكام الإعدام سيزيد من فرص أن يقدم الفلسطينيون على خطف مستوطنين وجنود في مسعى للضغط على الاحتلال لمنع تنفيذ هذه الأحكام.

ليس هذا فحسب، بل إن السياسات التي ستتبناها الحكومة القادمة على صعيد تطوير المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية وتهويد المسجد الأقصى وتوفيرها بيئة أمنية وقانونية تسمح للمستوطنين اليهود بمواصلة اعتداءاتهم على الفلسطينيين ستشكل بحد ذاتها محفزا لتأجيج روح المقاومة.

ومما لا شك فيه أن أخطر التداعيات المتوقعة لسلوك الحكومة الإسرائيلية ستتمثل في الدفع نحو انهيار السلطة الفلسطينية التي تعاني أصلا من فقدان قدرة متزايد على الحكم والسيطرة، كما حذرت مؤخرا المخابرات الإسرائيلية الداخلية "الشاباك" وإدارة الرئيس الأميركي جون بايدن.

فتعاظم مستويات القمع ضد الفلسطينيين في ظل الحكومة القادمة وتعاظم مظاهر عجز السلطة عن توفير الحد الأدنى من الحماية للجماهير الفلسطينية سيزيد من فرص انهيارها. مع العلم أن بعض الأحزاب المشاركة في حكومة تل أبيب الجديدة تطالب بإلغاء اتفاقات أوسلو وحل السلطة، مثل حركتي "الصهيونية الدينية" و"الكاهانية".

ولم يكن من سبيل المصادفة أن يواظب جيش ومخابرات الاحتلال على تحذير المستوى السياسي الحاكم من تداعيات انهيار السلطة الفلسطينية، على اعتبار أن التداعيات الأمنية والاقتصادية والإستراتيجية التي ستترتب على هذا التطور ستكون باهظة الثمن. فانهيار السلطة سيحرم إسرائيل من العوائد التي تجنيها من التعاون الأمني، فضلا عن أنه سيجعلها مسؤولة، بدل السلطة، عن توفير متطلبات الحياة الاقتصادية والإنسانية للفلسطينيين بصفتها قوة الاحتلال، كما ينص القانون الدولي.

وستسهم سياسات حكومة نتنياهو القادمة في توفير بيئة تسمح بتوحيد ساحات العمل النضالي الفلسطيني، حيث إن مكونات هذه الحكومة أوضحت بأنها ستستهدف فلسطيني الداخل بشكل لا يقل عن الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة مما سيوسع من رقعة العمل المقاوم بشكل قد يفضي إلى استنزاف جيش الاحتلال وموارد إسرائيل.

وستمنح قرارات الحكومة الإسرائيلية القادمة والقوانين التي ستمررها الفلسطينيين ومساندي قضيتهم المزيد من أدوات النضال القانوني على الساحة الدولية لمواجهة الاحتلال.

فإجماع الأحزاب بالمشاركة في هذ الحكومة على تمرير قانون يلغي صلاحيات المحكمة العليا كجهة رقابية على القوانين التي يسنها الكنيست والقرارات التي تتخذها الحكومة سيحرم إسرائيل من القدرة على الزعم بأنها تحوز على جهاز قضائي يسمح بإجراء تحقيقات مستقلة في الاتهامات التي توجه لها بارتكاب جرائم حرب ومخالفات جسيمة للقانون الدولي.

وستتعاظم خطورة تداعيات إلغاء صلاحيات المحكمة الإسرائيلية العليا بعد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الأخير الذي فوض محكمة العدل الدولية النظر في تحديد مكانة الاحتلال الإسرائيلي المتواصل للأراضي الفلسطينية المحتلة؛ حيث ترجح التقديرات الإسرائيلية أن تصدر المحكمة الدولية قرارا باعتبار الاحتلال المتواصل لهذه الأراضي أنه يمثل ضما فعليا لإسرائيل.

إلى جانب ذلك، فإن سياسات وقرارات الحكومة القادمة ستساعد على تعزيز أنشطة حركة المقاطعة الدولية ضد إسرائيل (BDS)، التي تطالب المجتمع الدولي ودول العالم بوقف كل أشكال التعاون مع إسرائيل بوصفها كيان احتلال يفرض الفصل العنصري في الأراضي المحتلة.

مما تقدم يمكن الاستنتاج أن سياسات حكومة نتنياهو ستفضي إلى تأجيج الصراع مع الشعب الفلسطيني وزيادة كلفته بدل حسمه.