"شاهد، مواطن من شمال قطاع غزة يطعن جنديًا في معتقل نفحة انتقامًا لصرخات الأسيرات الفلسطينيات."
هكذا انتشر الفيديو ودار، وشاهده العالم، لشاب ترك الدنيا بما فيها لينتقم لوجع الأسيرات اللواتي تعرضن للتعذيب في سجون الاحتلال قبل عامين، حيث نُزع حجابهن، وعُزلن عن باقي الأسيرات، وصرخن من خلف الزنزانة، فثار يوسف المبحوح انتقامًا لهن.
قبل ثلاثة أعوام، حدثت القصة، وكان المبحوح أسيرًا في ذلك الوقت، وكان قد اقترب موعد الإفراج عنه، لكنه أقدم على طعن السجّان، فعُوقب بالسجن المؤبد. ومنذ ذلك الوقت، وهو معزول؛ لعامين كاملين لم يرَ الشمس ولا حتى رفاقه الأسرى.
ومنذ بداية حرب الإبادة، تضاعف الألم، وانقطعت أخبار المبحوح، وقبع في ظلمة زنزانة ضيقة في سجن شطة، خلف القضبان التي طالما حاصرته بالألم والقهر.
ثلاثة أعوام من العذاب والفقد
مرت ثلاثة أعوام كأنها دهر. أعوام من التعذيب الذي أضناه جسدًا وروحًا، وحرمانٍ جعله يفقد أغلى ما يملك. لكن أكثر اللحظات قسوة كانت عندما وصله خبر استشهاد ابنته الصغيرة رانية، ذات الوجه الملائكي الذي كان ينير حياته.
رانية، التي لم تتجاوز السادسة من عمرها، كانت تحلم بعودة والدها لتجلس في حضنه الدافئ وتخبره عن أحلامها الصغيرة. لكنها لم تعد تنتظر، فقد اغتالها الاحتلال خلال قصف عنيف على منزل العائلة في غزة، لتكون شهيدة، كما هي روح والدها التي قاومت خلف القضبان.
يوسف، عندما سمع الخبر من رفاقه الأسرى، جلس على الأرض، وانهارت دموعه الحارقة كالسيل. لم يستطع الحديث، لم يستطع الصراخ. كل ما كان يشعر به هو ألم الفقد الذي تجاوز أي ألم جسدي تعرض له.
لكن رغم كل ذلك، لم يستسلم يوسف. كان يردد بينه وبين نفسه: "رانية شهيدة، وستكون أول من ألتقيه حين أعود."
اليوم المنتظر
اليوم مختلف. الجميع في سجن شطة يشعرون بشيء لم يعتادوه. أصوات الحراس تتردد في الممرات، ووجوه الأسرى يملؤها الترقب. يوسف، الذي قضى سنوات في عزلٍ انفرادي ومعاناة لا تصفها الكلمات، تلقى الخبر الذي كاد لا يصدقه: "اليوم ستخرج في صفقة تبادل الأسرى."
وقف يوسف للحظة، وكأن الزمن توقف. هل حقًا ستفتح أبواب الحرية؟ هل سيرى السماء دون أن تحجبها القضبان؟ هل سيعود لرؤية وجوه من تبقى من عائلته؟
عندما نُقل إلى غرفة الاستعدادات، تداعت في ذاكرته لحظات الوجع والفقد. ابنته رانية، أخوه قصي، جده وجدته، جميعهم شهداء تحت نيران الاحتلال. لكنه قرر أن اليوم سيكون يومًا جديدًا، يومًا للحياة التي سُرقت منه.
العودة إلى غزة؟
لن يرجع يوسف إلى غزة، ولن يستقبله ما تبقى من عائلته. زوجته في الانتظار، لكنها تعلم أن عليها الخروج لمقابلة يوسف خارجًا، فهو سيُبعد إلى خارج القطاع، ولا تعلم العائلة حتى اللحظة ما هي الدولة التي ستحتضن البطل، الذي لن يبحث بعينيه عن صورة الصغيرة رانية.
يدرك يوسف، كغيره من المعتقلين الأمناء على قضيتهم، أنه في هذه اللحظة، الحرية ليست مجرد كسر القيود، بل هي إصرار على الحياة رغم الألم. وها هو يعود ليكمل طريق المقاومة، يحمل في قلبه صورة ابنته الشهيدة وكل الشهداء الذين دفعوا ثمن الحرية بأرواحهم.