تنتهج حكومة الاحتلال سياسة الاستيطان في مدينة القدس المحتلة، مستعينة بالعديد من المشاريع كأمر واقع، وتتخذ من شرقي القدس هدفًا رئيسيًا لتنفيذ تلك المشاريع، مستغلةً انشغال العالم عن المدينة المقدسة.
ومؤخرًا، كشف تقرير جديد عن دفع الاحتلال بستة مشاريع استيطانية جديدة، تشمل تهجيرًا قسريًا وتوسيع المستوطنات، وسط تحذيرات من تداعيات خطيرة على المنطقة.
وتسارع سلطات الاحتلال إلى تنفيذ مشاريع استيطانية جديدة منذ تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منصبه في 20 كانون الثاني/يناير 2025.
استيطان متسارع
ووفقًا لتقرير صادر عن جمعية "عير عميم" الإسرائيلية، فإن المشاريع الستة التي تدفع بها حكومة الاحتلال بالتنسيق مع منظمات المستوطنين تعكس تصعيدًا خطيرًا في سياسة الاستيطان، التي تستهدف تغيير التركيبة السكانية للمدينة.
وأشار التقرير إلى أن حكومة الاحتلال أعادت إحياء المشروع الاستيطاني في "عطروت" (مطار قلنديا)، الذي يشمل بناء 9,000 وحدة استيطانية، بالإضافة إلى مشروع "أور سميح" الديني في حي الشيخ جراح، وكلاهما كان مجمدًا بسبب قضايا قانونية وبيئية.
وشملت الخطط الاستيطانية أيضًا توسيع مستوطنة "نوف تسيون" في جبل المكبر، مع إضافة مدرسة مخصصة للمستوطنين فقط، في وقت تعاني فيه الأحياء الفلسطينية من نقص حاد في المدارس والبنية التحتية.
وتوقع ياسر مناع، الباحث في الشأن الإسرائيلي، أن تشهد المشاريع الاستيطانية في الضفة الغربية والقدس تصاعدًا غير مسبوق مع عودة دونالد ترامب إلى الحكم، مستندًا إلى سياسات إدارته الداعمة لـ(إسرائيل)، والتي أثبتت خلال ولايته الأولى (2017-2021) انحيازها الكامل للاستيطان.
وأوضح أن فترة حكم ترامب الأولى شهدت اعتراف الإدارة الأمريكية بالقدس عاصمة لـ(إسرائيل)، ووقف المساعدات عن الفلسطينيين، وإعلان أن المستوطنات لا تتعارض مع القانون الدولي، مما منح الحكومة الإسرائيلية غطاءً سياسيًا لتوسيع الاستيطان بشكل غير مسبوق. وأضاف أنه مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، ستكون الظروف أكثر ملاءمة لـ(إسرائيل) لتعزيز مشاريعها الاستيطانية في الضفة الغربية والقدس، لا سيما مع صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة التي تتبنى سياسات التوسع وضم الأراضي.
وفي سياق مشاريع الاستيطان في مدينة القدس، أعلن الاحتلال عن مشروع لتوسيع مستوطنة "جفعات شاكيد" ببناء 400 وحدة استيطانية على أراضي بيت صفافا، بالإضافة إلى إنشاء مستوطنة "نوفي راحيل" في صور باهر - أم طوبا، والتي تضم 659 وحدة استيطانية جديدة.
تهجير قسري
وفي سياق متصل، قال الباحث في "عير عميم"، أفيف تتارسكي، إن الحكومة الإسرائيلية لا تكتفي بتوسيع الاستيطان، بل تسرّع أيضًا عمليات تهجير الفلسطينيين، مشيرًا إلى أن السلطات هدمت 27 مبنى في شرقي القدس المحتلة منذ بداية 2025، من بينها 18 وحدة سكنية، في خطوة يبدو أنها تستهدف إخلاء الفلسطينيين بالتزامن مع توسيع المستوطنات.
من جانبه، قال مدير دائرة الخرائط والاستيطان في بيت الشرق، خليل التفكجي، إن الاستيطان الإسرائيلي في القدس ومحاولات التمدد المتواصلة بين المستوطنات أخطر مما تبدو عليه، إذ تمثل جزءًا من المحاولات الإسرائيلية للتطهير العرقي في المدينة.
وأضاف: "الاستيطان في القدس هو أحد مساعي الاحتلال لتغيير المشهد في المدينة المقدسة، وهو ليس فقط من أجل البناء والإحاطة والسيطرة، وإنما أيضًا محاولة لطرد المقدسيين عبر إقامة البؤر الاستيطانية."
وأشار التفكجي إلى أن الاستيطان أخطر مما قد يراه البعض، إذ يتمدد بشكل تدريجي ومتواصل على حساب الأراضي والسكان الفلسطينيين، وداخل الأحياء الفلسطينية التي تحوّلت إلى ما يشبه العشوائيات داخل البؤر الاستيطانية.
وبحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، بلغ عدد المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها شرقي القدس، نحو 770 ألفًا بنهاية 2024، موزعين على 180 مستوطنة و256 بؤرة استيطانية، من بينها 138 بؤرة رعوية وزراعية.
سيناريوهات قادمة
ومنذ اندلاع الحرب على غزة في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، كثّفت (إسرائيل) عملياتها الاستيطانية في الضفة الغربية والقدس، بالتزامن مع تصاعد دعوات مسؤولين إسرائيليين لضم الضفة ورفض إقامة دولة فلسطينية.
وتزايدت وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية، ما أسفر عن استشهاد أكثر من 917 فلسطينيًا وإصابة نحو 7,000 آخرين، واعتقال 14,500، وفق مصادر فلسطينية رسمية.
وأوضح الباحث مناع أن العلاقة بين الاستيطان الإسرائيلي والعدوان على غزة تبرز في كل مواجهة عسكرية، حيث تستخدم (إسرائيل) الحرب في غزة كذريعة لتعزيز سيطرتها على الضفة الغربية، سواء من خلال فرض المزيد من القيود الأمنية أو التوسع في البناء الاستيطاني.
وأشار إلى أنه بينما ينشغل العالم بمتابعة تطورات الحرب في غزة، تستغل (إسرائيل) هذه الظروف لتمرير مشاريع استيطانية جديدة وفرض وقائع على الأرض دون ضغوط دولية كبيرة.
وأضاف أنه بعد العدوان الأخير على غزة، بدأ الاحتلال فعليًا في تكثيف عمليات الاستيطان وهدم المنازل الفلسطينية في القدس والضفة الغربية، ضمن ما تسميه بـ"العقوبات الجماعية"، التي تهدف إلى كسر أي مقاومة فلسطينية عبر السيطرة على مزيد من الأراضي وتوسيع المستوطنات.
وفي ظل هذه التطورات، قال مناع: "يُطرح التساؤل حول طبيعة الرد الفلسطيني والدولي على التصعيد الاستيطاني. فعلى المستوى الفلسطيني، قد يؤدي تفاقم الاستيطان إلى تصعيد في المقاومة الشعبية والمسلحة، خاصة في المناطق التي شهدت في السنوات الأخيرة ظهور خلايا مقاومة جديدة، مثل جنين ونابلس والخليل."
وتابع: "أما في القدس، فمن المتوقع أن تتزايد التوترات نتيجة استمرار اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى، ما قد يؤدي إلى مواجهات أوسع بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال."
وأضاف: "أما على الصعيد الدولي، فمن المرجح أن يكون الموقف الأمريكي أكثر تساهلًا تجاه الاستيطان مع عودة ترامب، مما قد يُضعف أي ضغوط دولية على (إسرائيل)، بينما قد تسعى بعض الدول الأوروبية إلى اتخاذ خطوات دبلوماسية محدودة مثل الاعتراف بالدولة الفلسطينية أو فرض عقوبات على المستوطنات."
وختم مناع بالإشارة إلى أن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مستقبل الضفة الغربية والقدس، حيث إن تصاعد وتيرة الاستيطان قد يجعل حل الدولتين أكثر تعقيدًا إن لم يكن مستحيلًا، وقد يؤدي إلى مزيد من التصعيد الميداني الذي قد يأخذ أشكالًا مختلفة، تتراوح بين المقاومة الشعبية والمسلحة، في ظل غياب أي أفق سياسي لوقف التمدد الاستيطاني.