كل يوم، ترتكب (إسرائيل) مجزرة أكثر بشاعة من سابقتها بحق المدنيين في قطاع غزة، وغالبًا ما يكون الأطفال هم الضحايا الأبرز.
فقبل ساعات قليلة، قصفت الطائرات الحربية مركزًا طبيًا تابعًا لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا"، ما أدى إلى استشهاد نحو 20 مدنيًا، معظمهم من الأطفال، حيث لجأت عائلاتهم إلى المركز بحثًا عن مأوى.
ورغم أن العيادة المستهدفة كانت متوقفة عن العمل منذ شهور طويلة، إلا أن النازحين الذين دُمّرت منازلهم اضطروا للجوء إليها، حتى وإن كان البناء مدمّرًا ومحترقًا، لا تصلح جدرانه حتى لإيواء القوارض. لكن وسط هذه الإبادة الجماعية، وفي ظل برد الشتاء القارس، بات البحث عن أي مأوى، حتى لو كان مهدّمًا، هو الخيار الوحيد للبقاء.
أمام العالم، وفي وضح النهار، ارتُكبت المجزرة، ليصل نحو عشرة أطفال شهداء إلى المستشفى الإندونيسي شمال القطاع، بعضهم أشلاء وآخرون مقطوعو الرأس.
ما حدث لا يستطيع كاتب أفلام رعب تخيّله أو صياغة قصة واحدة مما رُوي اليوم. تخيّل أمًّا تنتهي من إرضاع رضيعتها ذات الأسبوعين، تضعها في مهدها لتغفو عنها ثوانٍ، ثم تجدها بلا رأس!
داخل المستشفى، كانت الطفلة الصغيرة، شقيقة الشهيدة أمل، تبكي بحرقة وتردد: "ما شبعت منكِ يا أمل!" ثم تتشبث بملابس والدتها وتصرخ: "كل إخوتي استشهدوا!"
أما الأم، فكانت في حالة صدمة، تتحدث أمام الكاميرات بينما تبحث عن جثة مكتملة لأحد أبنائها، قائلة:
"بنتي الصغيرة، طفلة ولدتها منذ أسبوعين، حمّمتها وكفّنتها ونيمتها في الكوتة، بعد القصف فرجوني إياها... ما إلها رأس !"لم تستوعب بعد حجم الكارثة التي ألمّت بها.
وفي زاوية أخرى، جلست الصغيرة سما عليان مقابل جثمان والدها الشهيد في ثلاجة الموتى، تنظر إليه وتصرخ "إلك الجنة يا بابا،" هؤلاء الأطفال باتوا يدركون مفاهيم تفوق أعمارهم، يفجعون بفقدان آبائهم وأمهاتهم، ليجدوا أنفسهم معيلين لأشقائهم، يقهرهم الاحتلال بصواريخه التي تخطف الأحبة والأصدقاء والأهل.
موقف حماس والقانون الدولي من استهداف المراكز الصحية؟
بدورها اعتبرت حركة "حماس" أن مجزرة الاحتلال بقصف عيادة الوكالة في مخيم جباليا شمال غزة تشكل إمعاناً بجريمة الإبادة ضد الشعب الفلسطيني في غزة، مؤكدة أن المجزرة تُشكِّل إمعاناً في جريمة الإبادة التي تُرتَكب في قطاع غزة، وترجمة لاستهتار حكومة نتنياهو الفاشية بكل القوانين والأعراف الإنسانية.
وقالت حماس في بيان وصل " الرسالة نت " أنّ مزاعم الاحتلال المجرم وادعاءاته الكاذبة بشأن استخدام العيادة مقرًّا لقيادة كتيبة جباليا، لا تعدو كونها افتراءات مكشوفة تهدف إلى تبرير جريمته النكراء، وقد فنّد شهود عيان، تواجدوا داخل العيادة قبيل ارتكاب المجزرة، هذه الأكاذيب بشكل قاطع، مؤكدين أن جميع من كانوا فيها هم من المدنيين، وغالبيتهم من النساء والأطفال.
وشددت على أن استمرار عمليات الاستهداف المتعمّد للمدنيين النازحين في الخيام ومراكز الإيواء ومقرات المنظمات الدولية، وارتكاب المجازر فيها، دون أن يحرّك العالم ساكناً لوقفها؛ هو تعبير فاضح عن الخلل المُريع الذي أصاب المنظومة الدولية، وتقاعس المجتمع الدولي ومؤسساته كافّة عن أخذ دوره في وقف المجزرة الجارية، ومحاسبة مرتكبيها.
وأكدت على أن ما يشهده قطاع غزة على مرأى ومسمع من العالم، هو مسلسل من جرائم حربٍ وإبادة جماعية مُوثَّقة، وتطهير عرقي كامل تُنفذه الطغمة الفاشية الاسرائيلية، بتواطؤٍ أمريكي صريح، وإن التاريخ سيحاسب كل من صمت عن هذه الجرائم أو تواطأ معها.
وفي ذات السياق يوفر القانون الدولي حماية عامة وخاصة للمواقع المدنية وفقا لاتفاقية جنيف الرابعة والبروتوكولين الإضافيين الأول والثاني لاتفاقيتي جنيف لعام 1977 ولاهاي لعام 1954.
وتشمل هذه الحماية المواقع المدنية بما في ذلك المنازل والمدارس والجامعات والمستشفيات ودور العبادة وغيرها من المنشآت المحمية بموجب هذا القانون.
وتحظى المستشفيات بحماية خاصة في اتفاقية جنيف الرابعة؛ إذ لا يجوز بأي حال الهجوم على المستشفيات المدنية التي تقدم الرعاية للجرحى والمرضى والعجائز والنساء، حيث يوجب القانون احترام هذه المستشفيات وحمايتها.
وتضيف الاتفاقية ذاتها على هذه الحماية عدم جواز وقف الحماية الواجبة للمستشفيات المدنية، كما تلزم اتفاقيات جنيف الأربع جميع الأطراف بجمع الجرحى والمرضى والعناية بهم.
وفي عام 1970 اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قانون ينص على أن منطقة المستشفى أو أي ملجأ مماثل لا ينبغي أن تكون هدفا للعملية العسكرية.
وبناء على ذلك، لا يسمح أبدا بالهجمات العشوائية أو المستهدفة على المستشفيات والوحدات الطبية والعاملين الطبيين الذين يعملون بصفة إنسانية.
وتشكل الهجمات المتعمدة ضد المستشفيات والأماكن التي يتجمع فيها المرضى والجرحى بموجب نظام روما الأساسي مخالفة جسيمة لقوانين وأعراف الحرب.
وبمقتضى النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يشكل تعمد توجيه هجمات ضد المستشفيات وأماكن تجمع الأفراد والجرحى جريمة حرب.