لأول مرة في التاريخ بعد أن تروج إسرائيل لرواية أنها في خطر وتقوم بمهاجمة الخصم تفشل في الحصول على دعم وإسناد إعلامي ورسمي وسياسي عالمي، وتغيب مظلتها الدائمة وهي جملة: "لإسرائيل حق الدفاع عن النفس".
هكذا ساهم نتنياهو في اغتيال الرواية الإسرائيلية التي كانت تجد طريقها دائما للعالم:
* ظن أنه سيستحضر يوم 7 أكتوبر لتوحيد الشارع الإسرائيلي والمعارضة وتحفيز الجيش، فزاد هذه المرة من انقسام الشارع ودمر الروابط والثقة الداخلية بين الأجهزة والحكومة والبرلمان والمحكمة والشعب، وهذه سابقة خطيرة تعزز اغتيال الدولة.
* كشف نتنياهو ظهر إسرائيل في المنطقة حيث استخدم الأنظمة العربية التي عززتها طوال عقود لحماية غير مباشرة، واليوم يغتال أهم عناصر وجودية إسرائيل باستخدامه لهذه الأنظمة وحرق ورقتها أمام الشعوب سواء باستخدامهم لصد صواريخ إيران واليمن ومسيّرات العراق أو بالجسور البرية وفتح مطاراتها وقنواتها وموانئها لاحتياجات إسرائيل، وليس آخرا بإظهار ضعفها أمام الشعوب في عدم وقفها شلال الدم في فلسطين، أفقدهم هيبة وهمية صنعتها إسرائيل لتبقى هذه الأنظمة درعها الحامي بلسان عربي، وهذا الاستخدام أثره استراتيجي على هذا الكرت.
* اغتال نتنياهو هيبة الردع التي بنتها إسرائيل حينما أصرّ على إدخال الجيش لغزة رغم توصية الخبراء لديهم، حتى بايدن نصحه ولم يستجب بل عمّق العملية وكانت فشلا عسكريا بعدم سحق المقاومة وإعادة الأسرى وفضيحة إنسانية بارتكاب الإبادة والتدمير، فتهشم الردع أكثر.
- كشف نتنياهو المظلة عن إسرائيل فباتت في محكمة العدل الدولية ملاحقة وجنودها وضباطها في الشوارع فارّين من الشرطة في العالم، ورئيس وزرائها حاز على مذكرة اعتقال ولقب مجرم حرب من الجنايات الدولية، وفوق هذا انهمار الدعوات الدولية لإسرائيل بتطبيق القانون الدولي ووقف الاعتداء على الدول المجاورة وعلى الفلسطينيين.
* اغتال نتنياهو إسرائيل باستنزاف داعميها الأوروبيين عسكريا وماليا حيث باتت عبئاً عليهم خاصة مع ظهور معضلة الدفاع عندهم والتي ستكون أثراً سلبيا على استمرار الدعم لإسرائيل، فنتنياهو أرهق مخازنهم وإعلامهم وخزينتهم وبالتالي انفجر الوضع لديهم في ظل تطورات الحالة الروسية الأوكرانية، وبات ما كان متاحا سابقا؛ صعبا حاليا ومستحيلاً مستقبلا.
* اغتال نتنياهو إسرائيل بلعبه في أخطر ورقة تعتبر شريان الوجود التاريخي لها وهو الشارع الأمريكي والمزاج العام فيها الذي مارست فيه دعايتها التاريخية تحفيزا جوهريا لإبقاء أمنها خطا أحمر ودعمها عبادة مقدسة، مؤخرا باتت شوارعها وجامعاتها تنتفض رفضا لمن كان بالأمس مقدس الوجود، وخرجت العبارة والشعار الأهم "فلسطين من البحر للنهر" من هناك من أمريكا التي كان شعبها وجيشها وحكومتها يدا واحدة لحماية إسرائيل التي أصبحت الآن جدلية وعبثية وجودها حالة تتنامى في الشارع ما يعتبر اغتيالا خطيرا له تداعيات على حكومة وجيش ما زالوا يدعمون إسرائيل.
* اغتال نتنياهو إسرائيل التي كانت اقتربت من مرحلة التطور التكنولوجي وقبلة العالم الأمنية والعسكرية والتجارية، فحوّلها اليوم لمنطقة توتر لا أفق للاستثمار فيها بسبب الخوف من مستقبلها، وهذا لإصراره على تغطية تشبثه في الحكم بشعارات الوجودية والشر والهزيمة والمعركة؛ والتي فيها كلها لم ينجح حتى أمام المقاومة الفلسطينية.
خلاصة…
مع تطورات سوريا والسودان وعناد غزة وتصاعد الصراع الأوكراني الروسي الذي خطف اهتمام أوروبا لفترة قادمة طويلة وأشغلها، وتشابك منطقة الشرق الأوسط لعدم حسم أي ملف فيها لصالح مشروع نتنياهو الذي بات أقرب للوهم من الحقيقة؛ تصبح إسرائيل التي تم اغتيالها معنويا ونفسيا على طريق الاغتيال الوجودي الذي خاف قادتها كثيرا من التفكير فيه أصلا على مدار عقود حتى نفد صبرهم وباتوا يدركون أنهم في لعنة العقد الثامن وهي تتعمق.
تحاول بعض الأصوات أن تتدارك المشهد وتسارع لحل سياسي للقضية الفلسطينية، وهذه خطوة ممتازة لجلب هدوء واستقرار في المنطقة، ولكن نتنياهو يصر على استكمال عملية اغتيال وجود كل إسرائيل ويستنفذ كل الأوراق تجنبا لما طلبته حماس منذ اليوم الأول.