في زاوية من الوطن، مش بالخريطة، ولا بتنشاف في نشرات الاخبار، في خيمة.. خيمة لا هي من شَعر ولا من قماش، خيمة من صبر ووجع ودفاتر منسية، ختم الدكتور صلاح البردويل حكايتو، شهيد بين أوراقه، بين ناسه، بين اللي ظلّوا يحكوا وهمهم عا كتافه.
مين قال إن القادة بيبعدوا عن الشارع؟ د. صلاح ما عرف غير الشارع، كان يشرب شاي مع البقال، ويقعد جنب العجوز عند باب الدار، ويمشي في الزقاق كأنّه حافظ أسماء الحجارة وحدة وحدة. يكتب مقاله من همس الأرصفة، من ضحكة الطفل اللي ما شاف عيد، من تنهد أمّ طالبة دواء، من انتظار شاب عَ معبر.
كان مقاله “من شوارع الوطن” مش بس حروف، كان سيرة حيّة، تقرأها تحسّه ماشي حافي بين وجعك، وواقف ع بابك، بيسألك: كيفك اليوم يا جاري؟
كان يكتب ساخر، ساخر من حالنا، من انظمتنا، من جراحنا، بس عمره ما سخر من الناس، كان يضحك ويخلّي الضحكة تبكيك، ويبكي ويخلي الدمع يضحكك، ويحكي بلغة ما تدرّست في الجامعات، لكن بتتعلّمها من أول صحن فول مع عمال البنا.
آخر كلامه ما كان منشور، كان دعاء.. في خيمة، وسط أهل، لا مكتب، لا ميكروفون، لا قاعة ندوات، بس هو وربه والراية الملفوفة فوق صدره.
صلاح..
يا صاحب الرواية والحكاية،
يا راوي الحارة، وساكن خيالنا،
يا اللي لما كتبت، كتبنا، ولما استشهدت، نزفنا.
رحلت من خيمة، بس دخلت في كل دار،
صرت كلمة،
وصورة جديدة على حيطان المخيم.
نام بسلام يا أبو محمد،
نام، والحارة لسه بتحكيلك،
والناس لسه بتفتّش ع صوتك كل يوم.
من شوارع الوطن.. صار الكاتب هو الشهيد
وإحنا.. قرّينا الفاتحة على سطورك.
رح تضل في شوارع الوطن،
حكاية، وسطر، وصدى ما بينطفي.
إنا لله وإنا إليه راجعون.