في خضمّ حرب الإبادة الجماعية التي تشنها (إسرائيل) بحق الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس المحتلة، ومع تصاعد التوترات التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط، ومع التزايد الملحوظ في المشاريع الإعلامية التي تدّعي الحيادية بينما تنفذ أجندات مموّلة بعناية، برز اسم "جسور نيوز" كمنصة حديثة العهد، أثارت جدلاً واسعًا في الأوساط العربية، خصوصًا بعد ربطها بمشاريع سابقة تسعى لتسويق التطبيع الشعبي مع (إسرائيل) وتجميل وجهها الملطخ بدماء الضحايا في فلسطين ولبنان وسوريا.
هذه المنصة التي تديرها الصحفية السورية هديل عويس، تقدم نفسها كجسر للحوار والتفاهم، إلا أن تحقيقًا دقيقًا في خلفياتها وتمويلها وعلاقاتها، يكشف عن مشروع سياسي خطير يستهدف وعي الشعوب العربية، خصوصًا في فلسطين وسوريا ولبنان.
من هي هديل عويس؟
هديل عويس، سورية من مواليد 1993، بدأت مسيرتها السياسية في خضم الثورة السورية، حيث اعتُقلت عام 2011 من قبل النظام السوري لمشاركتها في الاحتجاجات. في عام 2012، ساعدها وفد أمريكي خلال تواجدها في جنيف على الانتقال إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك انخرطت في نشاط إعلامي وسياسي واضح، يركز على نقد أنظمة المنطقة، مع تقاطع ملحوظ في خطابها مع السردية الإسرائيلية.
عملت عويس مع عدد من المؤسسات البحثية والإعلامية الأمريكية، من بينها مشروع "فيلوس" (Philos Project) الذي يُعنى ببناء جسور بين المسيحيين في الشرق الأوسط والغرب، كما نشرت مقالات لصالح معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، وهو مؤسسة بحثية تأسست على يد باربي وينبرغ، زوجة أحد رؤساء لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC)، ويُعد أحد مراكز التفكير الداعمة لـ(إسرائيل) في واشنطن.
علاوة على ذلك، تشغل عويس منصب مديرة التوعية العربية في منظمة "جيمينا" (JIMENA)، والتي تهدف إلى تعزيز التفاهم بين الثقافات من خلال تسليط الضوء على المجتمعات اليهودية في الدول العربية. هذه المنظمة تشارك في مشاريع إعلامية وتعليمية موجهة لتغيير نظرة العرب لـ(إسرائيل) واليهود.
من المجلس العربي إلى جسور: ثلاث مراحل لمشروع واحد
ما لا يعرفه كثيرون أن منصة "جسور" ليست سوى الاسم الثالث لمشروع تطبيعي بدأ منذ سنوات. المشروع بدأ تحت اسم "المجلس العربي للتكامل الإقليمي"، ثم تغيّر إلى "الاندماج الإقليمي"، وأخيرًا استقر على اسم "جسور". ورغم تغيّر الأسماء، إلا أن الهدف ظل ثابتًا: كسر الحاجز النفسي والثقافي بين العرب و(إسرائيل)، والترويج لما يُسمى "التعايش" و"السلام" دون الحديث عن الحقوق الفلسطينية أو الاحتلال.

تمويل إسرائيلي وارتباطات مع خلية أفيخاي
تشير تقارير إلى أن منصة "جسور" تتلقى تمويلاً غير مباشر من جهات ذات صلة بما يُعرف بـ"خلية أفيحاي"، وهي وحدة إسرائيلية تُعنى بالحرب النفسية والتأثير على الرأي العام العربي. هذه الوحدة متخصصة في إدارة الحسابات والشخصيات المؤثرة على منصات التواصل الاجتماعي.
تعتمد "جسور" في عملها على تقديم فرص تدريب ومنح مالية لناشطين ومدونين عرب، خصوصًا في لبنان وسوريا، مقابل إنتاج محتوى يروّج للتطبيع أو ينتقد قوى المقاومة. كما تُنظم لقاءات مغلقة بين شباب عرب وإسرائيليين تحت شعارات "الحوار" و"التسامح".
الآليات المستخدمة: كيف تعمل جسور؟
تعتمد المنصة على عدة آليات مدروسة:
1. المحتوى الإيجابي عن (إسرائيل): تُسلط الضوء على إنجازات (إسرائيل) العلمية والتكنولوجية، وعلى أنها دولة ديمقراطية تحترم التعددية.
2. التقارير ضد محور المقاومة: تركز بشكل كبير على انتقاد حزب الله وإيران والنظام السوري، مع تجاهل شبه تام للانتهاكات الإسرائيلية في فلسطين.
3. الإعلام البديل: تنتج محتوى مرئيا ومكتوبا بلغة مبسطة تستهدف فئة الشباب، وتتجنب الخطاب السياسي المباشر لتبدو وكأنها جهة حيادية.
4. التفاعل الرقمي: تنشط على منصات التواصل، وتستثمر في الحملات الممولة لاستهداف متابعين عرب بمحتوى تطبيعي مخفي ضمن قوالب ثقافية وإنسانية.
التغلغل في المجتمعات الهشة
تشير المعلومات إلى أن المنصة تستهدف بشكل خاص المجتمعات اللبنانية والسورية، نظرًا للظروف الاقتصادية والسياسية الصعبة فيهما. يتم تقديم (إسرائيل) في الخطاب الإعلامي للمنصة على أنها "الشريك الأفضل" مقارنةً بإيران أو النظام السوري. وتُستغل المعاناة اليومية في تلك البلدان لتقديم (إسرائيل) كدولة مستقرة ومزدهرة.
تظهر المعلومات المنشورة حول "جسور" وهديل عويس:
التبعية للأجندة الصهيونية: يُتهم المشروع بأنه أداة ناعمة لتجنيد الشباب لصالح (إسرائيل).
غياب الشفافية: لا توجد أي إفصاحات واضحة عن مصادر تمويل المنصة أو الجهات التي تقف خلفها.
تشويه المقاومة: تروّج المنصة لرواية تحمّل المقاومة مسؤولية معاناة الشعوب، متجاهلة الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه.
استغلال المعاناة: يتم استخدام قصص لاجئين ونازحين بطريقة انتقائية لتبرير الانفتاح على (إسرائيل).
تُعد تجربة "جسور" درسًا بالغ الأهمية في فهم أدوات الحرب الناعمة التي تستخدمها (إسرائيل) وحلفاؤها لاختراق الوعي العربي. إنها ليست مجرد منصة إعلامية، بل مشروع سياسي-أيديولوجي يُدار بذكاء، ويستثمر في الإعلام الرقمي والنشطاء الشباب لإحداث تحول تدريجي في مواقف الرأي العام العربي.
ولعل الخطر الأكبر لا يكمن في وجود هذه المنصة بحد ذاتها، بل في غياب إعلام عربي مضاد قادر على تفكيك سردياتها، وكشف أجنداتها، وإعادة الاعتبار لسردية الحقوق والعدالة والمقاومة.
تبقى المواجهة مع مشاريع التطبيع الناعمة مسؤولية جماعية، تبدأ بالوعي وتنتهي بصناعة إعلام بديل يعبّر عن تطلعات الشعوب لا رغبات ممولي المشاريع.