يُعدّ مصطلح “معاداة السامية” (Antisemitism) أحد أبرز المفاهيم التي شكّلت الوعي السياسي والإعلامي الغربي في القرنين التاسع عشر والعشرين واليوم. وقد جرى توظيف هذا المصطلح بصورة منهجية من قبل الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل لردع أي انتقاد سياسي لسياساتها. غير أنّ عملية “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر 2023 وما تلاها من حرب على قطاع غزة مثّلت لحظة فارقة في إعادة صياغة هذا المفهوم في الوعي العالمي، وأضعفت قدرة إسرائيل على استثماره كأداة ردع خطابية.
أولاً: السياق التاريخي للمصطلح
ظهر مصطلح “معاداة السامية” في أوروبا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وقد استُخدم في البداية للإشارة إلى الكراهية الموجّهة ضد اليهود كجماعة دينية وقومية. ومع صعود النازية في ألمانيا، ارتبط المصطلح بجرائم الإبادة الجماعية (الهولوكوست) التي تعرّض لها اليهود في أوروبا.
إلا أنّ الدراسات الحديثة تشير إلى أنّ التسمية “سامية” لا تقتصر على اليهود وحدهم، بل تشمل أيضًا العرب، الآشوريين، السريان، والمالطيين، إذ تجمعهم روابط لغوية وثقافية ضمن أسرة اللغات السامية.
ثانياً: العلاقة بين النازية والصهيونية.
تُظهر الوثائق التاريخية أنّ التفاعل بين النازية والحركة الصهيونية كان أعقد مما يروّج له في السردية الإسرائيلية الرسمية. فقد وُقّعت اتفاقية “هعفراه” (Haavara) عام 1933، والتي دفعت بهجرة اليهود الألمان إلى فلسطين بضمانات اقتصادية معينة، وهو ما يكشف عن تقاطعات براغماتية وفكرية بين النظام النازي ومشروع الاستيطان الصهيوني في فلسطين. هذا التداخل التاريخي يُضعف الادعاء الإسرائيلي بامتلاك “الاحتكار الأخلاقي” في رواية الضحية.
ثالثاً: التوظيف الإسرائيلي للمفهوم.
منذ تأسيسها عام 1948، عملت إسرائيل على توسيع معنى “معاداة السامية” ليشمل ليس فقط العداء لليهود، بل أيضًا أي انتقاد لسياساتها. وهكذا جرى دمج النقد السياسي (الاعتراض على الاحتلال، الاستيطان، قوانين التمييز، العدوان العسكري) مع العداء العرقي–الديني، في عملية خلط متعمدة. هذا التوظيف أنتج تأثيرًا مزدوجًا:
أولاً: ردع الحكومات الغربية عن اتخاذ مواقف ناقدة خوفًا من وصمة “النازية الجديدة”.
ثانياً: إرباك الرأي العام العالمي الذي بات يتردد في دعم القضية الفلسطينية خشية الاتهام بمعاداة السامية.
رابعاً: ما بعد طوفان الأقصى/السابع من أكتوبر.
أطلقت عملية “طوفان الأقصى” سلسلة أحداث قلبت هذه المعادلة. فإسرائيل حاولت منذ البداية إسقاط الذاكرة التاريخية للهولوكوست على ما جرى، مقدّمة العملية كـ”محرقة ثانية” ضد اليهود. إلا أنّ استمرار الحرب على غزة، وما رافقها من دمار واسع وارتفاع غير مسبوق في أعداد الضحايا المدنيين، كشف للعالم ملامح إبادة جماعية حديثة ضد الفلسطينيين.
هذا التحوّل أنتج نتائج نوعية:
• تحرّر قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي من عقدة الذنب التاريخي تجاه اليهود.
• خروج مظاهرات مليونية في العواصم الغربية دعمت صراحة القضية الفلسطينية.
• تزايد الاعترافات الدولية بضرورة إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وتبنّي خطاب “حل الدولتين” بجدية أكبر.
خامساً: الدلالات الإعلامية والسياسية.
أولاً: انهيار جزئي لفاعلية السردية الإسرائيلية التي ربطت بين النقد السياسي ومعاداة السامية.
ثانياً: إعادة تعريف “الضحية”: إذ باتت صورة الفلسطيني المقاوم/المحاصر تتصدّر المشهد، مقابل تراجع صورة “إسرائيل الضحية”.
ثالثاً: تصدّع الخطاب الإعلامي الغربي التقليدي، وانفتاح مساحات جديدة للنقاش الأكاديمي والإعلامي حول جرائم الحرب والإبادة وحقوق الشعوب في التحرر وتقرير المصير وعلى رأسهم الشعب الفلسطيني.
خلاصة القول:
على الرغم من الكارثة الإنسانية التي حدثت وتحدث في غزة، فإنّ عملية “طوفان الأقصى” وصمود الشعب الفلسطيني ومقاومته أسهما في تفكيك إحدى أهم أدوات الدعاية الإسرائيلية: الخلط بين معاداة السامية والنقد السياسي. لقد أُعيد تعريف “معاداة السامية” في الوعي العالمي ضمن حدودها الأصلية: كراهية عنصرية لليهود، لا كأداة لإسكات النقد المشروع لسياسات دولة إسرائيل. وبذلك، يمكن القول إنّ “طوفان الأقصى” لم يكن حدثًا عسكريًا فحسب، بل شكّل أيضًا منعطفًا معرفيًا وإعلاميًا عالميًا في التعامل مع الخطاب الصهيوني.