في لحظة يُعاد فيها رسم خرائط القوة على الأرض، جاءت عملية "غوش عتصيون" التي نفذها الشهيدان عمران الأطرش من الخليل ووليد صبارنة من بيت أمر بالضفة المحتلة، لتشكّل انعطافة قوية في المشهد الفلسطيني.
وأسفرت العملية البطولية عن مقتل جندي (إسرائيلي) وإصابة ثلاثة آخرين أحدهم بجروح خطيرة، لكنها حملت أبعادًا تتجاوز نتائجها الميدانية المباشرة، إذ شكّل توقيت تنفيذها رسائل حاسمة في مرحلة بالغة الحساسية.
وتأتي العملية في وقت تتسارع فيه عجلة الاستيطان في الضفة والقدس، مع تصاعد اعتداءات المستوطنين ومحاولات فرض وقائع تهويدية جديدة على الأرض.
وبالتوازي، يشهد القطاع ضغوطًا دولية غير مسبوقة تهدف إلى نزع سلاح المقاومة، تحت عناوين "الإدارة الدولية" أو "مرحلة ما بعد الحرب"، ما يعكس محاولة لإعادة هندسة البيئة الأمنية الفلسطينية بالكامل.
وفي ظل هذا المشهد، تظهر العملية كفعل مقاوم يستثمر لحظة سياسية معقدة، ليقول، إن "الميدان ما زال حاضرًا وقادرًا على إعادة المعادلات، وإن الضفة رغم القبضة الأمنية (الإسرائيلية) ليست خارج معادلة الفعل المقاوم".
وبذلك، يتحول توقيت العملية إلى عنصر مركزي في فهم رسالتها، وهي رفض التمدد الاستيطاني، والتصدي لاعتداءات المستوطنين، وكسر فكرة أن غزة يمكن إخراجها من معادلة الردع بنزع سلاحها، بينما تبقى الضفة تحت السيطرة.
عملية مزدوجة!
وقُتل جندي (إسرائيلي) وأُصيب ثلاثة مستوطنين أحدهم بجروح حرجة ظهر اليوم الثلاثاء، في عملية دهس وطعن مزدوجة نفذها شبان فلسطينيون واستهدفت تجمعًا للمستوطنين جنوب بيت لحم.
وقام منفذو العملية بدهس عدد من المستوطنين قرب مفترق "غوش عتصيون" جنوب بيت لحم، ثم حاولوا تنفيذ عملية طعن قبل أن يتعرضوا لإطلاق نار من جنود الاحتلال الذين تواجدوا في المنطقة.
وشهدت المنطقة ذاتها في السابق عدة عمليات فدائية أدت إلى إصابة ومقتل مستوطنين وجنود من الاحتلال.
العملية تحمل رسالة مزدوجة!
ويقول المختص في الشأن السياسي ياسين عز الدين: "إن عملية (غوش عتصيون) التي نفذها الشهيدان عمران الأطرش ووليد صبارنة لا يمكن قراءتها بمعزل عن توقيتها، فهو التوقيت الذي يمنح العملية وزنها السياسي والأمني الحقيقي".
وبحسب عز الدين في حديثه لـ"الرسالة"، تأتي العملية في لحظة تتكثف فيها الضغوط على الفلسطينيين في كل الساحات، من تسارع الاستيطان في الضفة والقدس، إلى تصاعد اعتداءات المستوطنين، وصولًا إلى الجهود الدولية الهادفة لفرض ترتيبات أمنية في غزة تحت عنوان "الإدارة الدولية"، بما يشمل عمليًا محاولة نزع سلاح المقاومة.
ويشير إلى أن العملية تحمل رسائل مزدوجة، وهي:
الأولى أن الضفة المحتلة رغم القبضة (الإسرائيلية) المشددة ما زالت ساحة فعل مقاوم قادرة على خرق المنظومة الأمنية للاحتلال وإرباك حساباتها.
وأما الثانية، أن الفلسطينيين يرفضون محاولات فصل الساحات أو التعامل مع غزة والضفة كجبهات منفصلة؛ فالمقاومة تتحرك وفق منطق وحدة الصراع ووحدة الرد.
ويؤكد المحلل السياسي أن اختيار التوقيت ليس صدفة، بل هو رد مباشر على لحظة تتقدم فيها المشاريع (الإسرائيلية) بسرعة، من مصادرة الأراضي وتوسيع المستوطنات، إلى الضغط السياسي الدولي لإعادة تشكيل مستقبل غزة.
ويرى أن العملية جاءت لتؤكد أن الميدان ما زال حاضرًا، وأن الشعب الفلسطيني يمتلك أدواته لفرض معادلات جديدة، وإن كل محاولات تثبيت واقع استيطاني أو أمني أحادي الجانب لن تمر دون كلفة.
ويختم عز الدين بأن العملية، بقدر ما أحدثت صدمة أمنية، جاءت كرسالة سياسية واضحة مفادها أن البيئة الحالية التي يراها الاحتلال مناسبة لتعميق مشروعه الاستيطاني، هي ذاتها بيئة تولّد فعلًا مقاومًا أكثر جرأة وحضورًا.
ويُعدّ تجمع "غوش عتصيون" الاستيطاني كالخنجر المسموم في جسد الضفة، وأحد أسباب خنق المواطنين وسلب أراضيهم وحرمانهم من حرية التنقل. لذلك كانت ولا تزال مستوطنات "غوش عتصيون" أحد أبرز أهداف المقاومة في الضفة لتنفيذ عمليات نوعية تستهدف جنود الاحتلال والمستوطنين.
إشارة إنذار!
فيما يرى المحلل السياسي سليمان بشارات، أن عملية "غوش عتصيون" التي نفذها لا يمكن التعامل معها كحدث ميداني منفصل، بل كجزء من البيئة الأمنية والسياسية المتحركة في الضفة.
ويؤكد بشارات في حديثه لـ"الرسالة" أن التوقيت هو العنصر الأكثر حساسية في قراءة العملية، لأنه جاء في فترة يعتبرها الاحتلال "نافذة مناسبة" لتوسيع مشروعه الاستيطاني وإعادة صياغة قواعد السيطرة في الضفة والقدس.
ويشرح أن الاحتلال يتحرك في الأسابيع الأخيرة بثلاثة مسارات متوازية وهي تسريع بناء المستوطنات وإقرار مخططات ضخمة في القدس ومحيطها، وتوفير حماية شبه مطلقة لاعتداءات المستوطنين، والاستثمار السياسي في النقاش الدولي المتعلق بغزة، خصوصًا ما يُطرح حول "الإدارة الدولية" ومحاولات تحييد سلاح المقاومة.
وبحسب بشارات، جاءت العملية كـ"إشارة إنذار" تعكس فشل الرهان (الإسرائيلي) على أن الضفة قد تم تطويعها أمنيًا، فالعملية، رغم كل نشاط أجهزة الاحتلال، كشفت قدرة مجموعات شبابية على اختراق المنظومة الأمنية وتنفيذ عملية عالية التأثير في موقع يُعدّ من أكثر المناطق تحصينًا.
ويضيف أن نجاح العملية في هذا التوقيت يُعيد السؤال الأساسي إلى الطاولة، فهل يمكن للمشروع الاستيطاني أن يستمر بلا مقاومة؟ ويرى أن الإجابة جاءت من الميدان، فكل خطوة (إسرائيلية) نحو تعميق الاستيطان تقابلها حالة فعل مضاد، حتى لو بدا المشهد راكدًا في بعض الفترات.
ويؤكد بشارات أن الرسالة الأعمق للعملية تذهب نحو غزة أيضًا، فالفلسطينيون يريدون التأكيد أن أي محاولة لفرض ترتيبات أمنية جديدة أو نزع سلاح المقاومة في القطاع ستنعكس مباشرة على الضفة، التي لن تبقى صامتة أو خارج معادلة الرد.
ويختم حديثة قائلًا: "العملية تمثل تحولًا مهمًا في الوعي السياسي والأمني، فالميدان لم يغادر المشهد، والضفة ليست فراغًا أمنيًا، وكل ضغط (إسرائيلي) يولّد فعلًا فلسطينيًا يعيد التوازن ولو بشكل مفاجئ".
رد طبيعي على محاولات تصفية القضية!
بدورها، أكدت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أن عملية الدهس والطعن البطولية التي وقعت قرب مستوطنة "غوش عتصيون" جنوب بيت لحم، هي رد طبيعي على محاولات الاحتلال تصفية القضية الفلسطينية، وحالة التغوّل المتصاعدة التي يمارسها جنود الاحتلال والمستوطنون في الضفة الغربية والقدس من قتل واعتقالات وهدم واستيطان واقتحامات متواصلة.
وشددت الحركة في بيان صحفي أن استمرار العدوان الإجرامي على شعبنا، ومحاولات فرض وقائع ميدانية في قطاع غزة، واستمرار مخططات التهويد والضم في الضفة، لن يمرّ دون مواجهة ورد فعل ميداني؛ فلشعبنا الحق في مقاومة الاحتلال والرد على جرائمه وانتهاكاته، وما هذه العملية إلا نتاج حتمي لإمعان الاحتلال في عدوانه على شعبنا وأرضنا ومقدساتنا.
وأشارت إلى أن شعبنا سيواصل صموده وتشبثه بحقوقه المشروعة، محذّرة من خطورة الوضع الميداني في حال استمرار الاحتلال في تغوّله وبطشه.