أصدرت منظمة بتسيلم تقريرها الموسوم «جهنّم على الأرض: السجون الإسرائيلية كشبكة معسكرات للتعذيب» في لحظة تصفها بأنها الأخطر في تاريخ منظومة الاعتقال الإسرائيلية بحق الفلسطينيين. التقرير لم يأتِ كلغة بيانات باردة، بل كوثيقة ثقيلة بالشهادات والأرقام، يستند إلى 55 إفادة موثقة لمعتقلين فلسطينيين أُفرج عنهم، رووا ما تعرضوا له منذ 7 أكتوبر 2023 داخل السجون ومراكز الاحتجاز.
في تلك الشهادات، تتكرر التفاصيل ذاتها، كأنها نسخ عن تجربة واحدة: الضرب منذ اللحظة الأولى للاعتقال، تقييد الأيدي والأرجل لساعات طويلة، إبقاء المعتقلين معصوبي الأعين، الحرمان من النوم، الصراخ والإهانات، والتهديد بالعنف الجنسي أو ممارسته.
يتحدث معتقلون عن غرف مكتظة لا تتسع لعدد المحتجزين، وعن منع الاستحمام لفترات طويلة، وعن مصادرة الملابس والأغراض الشخصية، وتقليص الطعام إلى الحد الأدنى. بعض الشهادات تصف فقدان عشرات الكيلوغرامات من الوزن خلال أسابيع، وأخرى تتحدث عن أمراض تفاقمت بسبب غياب العلاج أو تأخره.
الأرقام التي يوردها التقرير ترسم صورة موازية للشهادات. فقبل 7 أكتوبر 2023 كان عدد الفلسطينيين المحتجزين في السجون الإسرائيلية يقارب 5,192 أسيرًا. بعد اندلاع الحرب، تضاعف الرقم تقريبًا ليصل في منتصف عام 2025 إلى نحو 9,623 أسيرًا، بينهم مئات المعتقلين إداريًا من دون توجيه تهم رسمية.
هذا الارتفاع الحاد، بحسب التقرير، ترافق مع تشديد غير مسبوق في ظروف الاحتجاز.
كما تشير المعطيات الحقوقية المرتبطة بالتقرير إلى وفاة ما لا يقل عن 98 فلسطينيًا داخل السجون الإسرائيلية منذ أكتوبر 2023. بعض هذه الوفيات نُسبت – وفق شهادات ومحامين – إلى الإهمال الطبي أو التعذيب أو الظروف القاسية داخل المعتقلات.
ويتطرق التقرير أيضًا إلى احتجاز جثامين عدد من المتوفين، ما يضاعف الألم لدى عائلاتهم.
في روايات المعتقلين المفرج عنهم، يظهر العزل الانفرادي كأداة متكررة، إلى جانب تقليص زيارات العائلات ومنعها في كثير من الحالات، وتقييد لقاءات المحامين. يصف التقرير منظومة كاملة من الإجراءات التي اعتبر أنها لم تعد استثنائية أو مرتبطة بملفات محددة، بل باتت سياسة عامة تطبق على نطاق واسع.
تقول بتسيلم في خلاصة تقريرها إن ما وثقته لا يمثل تجاوزات فردية أو حالات شاذة، بل يعكس – بحسب وصفها – «سياسة مؤسساتية» تُدار من مستويات عليا، وتحوّل شبكة السجون إلى ما يشبه منظومة مغلقة من العقاب الجماعي. وتدعو المنظمة إلى فتح تحقيقات مستقلة وشفافة، والسماح برقابة دولية على أماكن الاحتجاز، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
بين الأرقام الجافة وشهادات الرجال الذين خرجوا من الزنازين بأجساد منهكة وأصوات متعبة، يحاول التقرير أن يضع أمام الرأي العام صورة مكتملة: 55 شهادة، 9,623 معتقلًا، 98 وفاة موثقة منذ أكتوبر 2023. أرقام تقول إن ما يجري داخل الجدران ليس مجرد تفاصيل قانونية، بل قصة إنسانية مفتوحة على مزيد من الأسئلة والمساءلة.