لا أحد ينكر أن الولايات المتحدة الامريكية شاركت وخططت ورضيت بعملية السيسي وانقلابه على شرعية الرئيس المنتخب، وأنها أيدت الخطوة وغضت الطرف وأبدت اعجابها بالتنفيذ والنتيجة بادئ الأمر، إلا أنها منذ الثورة الايرانية وخسارتها لحليفها القوي الشاه، قد تعلمت درسا ان تقف في الثورات الشعبية بطريقة ضبابية غير محسومة لتجنب خسارة اخرى في الشرق الأوسط، ولتكبح جماح أي تغيير قادم، حتى تتضح الصورة فتقف مع الاقوى وتحافظ على مصالحها.
وهذا يفسر الموقف المتضارب للولايات المتحدة في الأزمة المصرية، حيث تعلن وزارة الخارجية ان ما جرى انقاذ للديمقراطية في حين يؤكد مكين مبعوث الكونجرس انه انقلاب على الشرعية، وفي الوقت الذي تستمر فيه المعونة المالية بقرار من الكونجرس يذهب مبعوث كيري للالتقاء بالرئيس مرسي وقيادات الشاطر ويمد اليد الامريكية لإخراج الجميع من الأزمة.
امريكا ستكون الاكثر حرصا على انجاح الانقلاب وإفشال التجربة الديمقراطية الحقيقية التي عاشتها مصر، وذلك ليس كرها في الاخوان وإنما ليقينها أن أي نظام ديمقراطي يأتي بإرادة شعبية وجماهيرية سيعمل ضد المصالح الأمريكية، والمتمثلة في الحفاظ على الطاقة والبترول بثمن زهيد، وضمان العمل عبر قناة السويس وفق نظرية الامن الأمريكية، والحفاظ على (إسرائيل) وأمنها والالتزام بالاتفاقيات والمعاهدات، وابقاء مصر دولة استهلاكية تستورد سلاحها وقمحها وقوت يومها.
الأزمة المصرية اليوم تمر بحالة تجاذب وقد تساوى الطرفان، فلا يظهر في الافق حتمية انتصار احد الفريقين، وهذا ما يقلق الولايات المتحدة ويجعلها تتدخل بسياستها الحذرة لموازنة التوجهات ودراسة الاحتمالات، للمحافظة على غموض موقفها، موهمة الطرفين انها تمتلك خيوط اللعبة، لابتزازهما والعمل للمحافظة على مصالحها ورؤيتها.
المرحوم أنور السادات أول من ألقى بأوراقه كاملة في يد الولايات المتحدة، واعتبرها انها تمتلك 99% من اوراق الحل، ومع ذلك لم يمنع هذا مقتل السادات وانتهاء حكمه بطريقة دراماتيكية غير متوقعة، كما أن حديث السادات كان واقعيا في زمنه أما اليوم فإننا نشهد زمن انحدار وانكسار العظمة الأمريكية.
أي حل للأزمة بإشراف أمريكا بالضرورة ستجده ضد العملية الديمقراطية من جهة، وسيحافظ على بقايا النظام السابق وفساده من جهة أخرى، وسيفرض القيود والأغلال على التجربة المصرية الثورية، وسيبقيها معلقة لا تموت ولا تحيا، لا تندثر ولا تنهض، تأكل ولا تزرع، تلبس ولا تصنع، لهذا إن أول خطوة لانتصار الارادة المصرية يجب ان تكون في التخلص من التدخل الامريكي، وإبداء موقف حاسم منها ومن مصالحها التي تتعاكس ومصالح المصريين والعرب.
ثورة الشرعية ستأخذ بعدا أكبر وشعبية أعمق ومنطقا أقوى ان اعلنت بوضوح عداءها لـ(إسرائيل) وأمريكا، وستجد لفيف الشعب المصري ينضم لها، وستتحول لبؤرة تغيير حقيقي في العالم وليس المنطقة فحسب.