المفاوضات بين نموذجين .. منهزم ومصرُ على النجاح

المفاوضات بين نموذجين .. منهزم ومصرُ على النجاح

المفاوضات بين نموذجين .. منهزم ومصرُ على النجاح

لا يكاد يمر يوم إلاّ ويخرج علينا من يكرر مقولة أن المفاوضات هي الخيار الاستراتيجي الوحيد للوصول للحقوق الوطنية الفلسطينية ، وما إن يتحدث أحدهم حتى يبدأ بطرح مزايا التفاوض وما يحققه من إنجازات ومزايا فضلاً عن تقديم نفسه كخبير في المفاوضات وإدارتها .

ولا يخفى على المتابع ما أحدثه هذا التبني للمفاوضات كخيار وحيد من تباين وخلافات في الساحة الفلسطينية حتى بات الشارع الفلسطيني منقسماً بين فريقين الأول الذي يقول ويتبنى المفاوضات خياراً وحيداً ويرفض أي إمكانية لأي خيار آخر ، لا سيما خيار المقاومة لتحقيق الحقوق الوطنية ، في حين أن الفريق الثاني يرى أنه من الخطأ المطلق حصر الخيارات في التفاوض واستبعاد الخيارات الأخرى خاصة خيار المقاومة الذي لابد وأن يبقى هو الخيار الاستراتيجي الأساسي في طريق تحقيق الأهداف الوطنية .

ومنذ أن انطلق أصحاب هذا الخيار وهم يسوقون كل ما من شأنه أن يدعم خيارهم التفاوضي هذا وتحت ذريعة الواقع الجديد والمعادلات الدولية القائمة والاتفاقات والمعاهدات الأُممية والنظم الدولية وعدم إمكانية المزاوجة بين الخيارات ، ولكسب الرأي العام وغيرها الكثير الكثير من الذرائع ، بدأوا يهاجمون ويرفضون خيار المقاومة ويعملون على شطبه من القاموس الفلسطيني ، فتارة يجعلونه عملاً يتنافى والمصالح الوطنية العليا وتارة يهاجمونه بذريعة أنه ينفذ أجندة إقليمية وثالثة بأنه يجلب الويلات على الشعب الفلسطيني ولا يحقق أي مصلحة بل إنه يعطي الذريعة للعدو الصهيوني ليمارس إرهابه ضد شعبنا ويتحلل مما أسموه التزاماته التي أُبرمت عبر المفاوضات ، وإذا لم تنجح كل تبريراتهم تلك لذم المقاومة فإنهم وفي تناقض صريح وواضح مع ذواتهم يذهبون ليعيبوا على حماس بأن وتيرة مقاومتها خفت وكأنهم رجال مقاومة ليدّعوا أن هذا يدعم خيارهم ضد المقاومة ، في حين إن المفاوضات تشكل المخرج الحقيقي لقضايانا الوطنية فيها نكسب الرأي العام الدولي ، ونحصل على الدعم المادي والسياسي ، وبها نُحْرِج العدو الصهيوني ونفضح تعنته وعدوانه ، وهي التي تنسجم مع العصر والواقع ويستجيب ويتناغم مع المتغيرات الدولية ، وأنه حقق للشعب الفلسطيني الكثير من الإنجازات .

واليوم نقف أمام هذه الصورة التي رسمها لنا أصحاب خيار التفاوض بعد ما يقارب عقدين من الزمن على بدء مشروعهم التفاوضي لنرى مدى صوابية أطروحاتهم وحقيقة إنجازاتهم على أرض الواقع مقارنة مع تجربة أخرى في الساحة الفلسطينية قادها أصحاب خيار المقاومة ودون أن يخضعوا لأي من المواصفات التي حددها أصحاب خيار التفاوض واستطاعوا الانجاز .

فاليوم لو قمنا بعملية جرد حساب سريعة نُقيّم من خلالها عمل فريق التفاوض وإدارتهم للمفاوضات وما أنجزوه لتوصلنا لنتيجة مفادها أنهم ومنذ انطلاقتهم بهذا الطريق انطلقوا بنفسية المنهزم العاجز واليائس والمنبهر بالآخر مقابل استخفاف بما يمكنه امتلاكه وإظهاره من عناصر قوة ، فانطلاقتهم بدأت من نقطة لتنهي الصراع بتحصيل ما يمكن تحصيله وفق كل الإرادات سوى الإرادة الفلسطينية ! ، فكانت بداية مشروعهم على قاعدة الأرض مقابل السلام كشعار وفي ثناياه كان المطلوب الأمن للاحتلال والتطبيع مع الاحتلال وفتح باب الثروات أمام العدو وكأنه لم يكن يكفي ما يعنيه شعار الأرض مقابل السلام ، هذا الشعار البراق ، الجذاب الذي يُخفي خلف ستاره التنازل عن 78% من الأرض للكيان الاحتلالي ، والإقرار بتشريد أكثر من نصف الشعب الفلسطيني عن أرضهم ومساكنهم ليعيشوا حياة الشتات ، هذه البداية النفسية التي بدأوا فيها هي التي وضعت آلية سير المفاوضات وأسلوب التفاوض والمؤثرات في العملية التفاوضية برمتها والتي بمجملها جعلت من المفاوض الفلسطيني مجرد متلقي يستقبل الحلول المطروحة ويسوقها كإنجازات ، وحولته لمحطة ضغط دائم يمارس عليه من قبل ليس الخصم فحسب بل والوسطاء والراعي للتفاوض ، كذلك فهو مطالب بشكل دائم بإبداء المرونة والتنازل ، وعليه دوماً واجب الالتزام المسبق وتقديم حسن نوايا أو بالأصح إثبات جدارته ليبرهن أنه يستحق أن يُستعطف عليه بشيء من الفتات أثناء المفاوضات ويستحق أن تفتح لقياداته العواصم وأن تعقد معهم الاجتماعات ، ويعقدوا برفقة الساسة ولون درجات دنيا المؤامرات ، فكانت النتيجة أنه مفاوض بلا رؤية خاصة وبلا أجندة تنسجم مع متطلباته وحقوقه الوطنية لأن الأجندة وبلا أجندة تنسجم مع متطلباته وحقوقه الوطنية ،لأن الأجندة الوحيدة على طاولة المفاوضات هي المحددة من قبل المفاوض الصهيوني أو تلك في أحسن الأحوال التي يفرضها الوسطاء  الأربعة بالتوافق مع قادة الكيان الاحتلالي .

وعليه فإن ما تم انجازه خلال عقدين من الزمن هو مجموعة من التوقيعات والاحتفالات التي تحتاج لاتفاقات تفصلها وتوضحها ومن ثم يرتبط الالتزام بها بمدى تنفيذ المفاوض الفلسطيني لما تمليه عليه من التزامات خاصة الأمنية منها ، رغم أن الدبابات الصهيونية وقرارات وممارسات أركان الكيان قد داستها قبل أن يجف حبرها وأن ترى النور .

وحتى ما يتم التغني به بأنه انجاز يستخدم اليوم ضد المفاوض الفلسطيني فدخول قيادة الفريق المفاوض على سبيل المثال للوطن أسهم في إضعاف المفاوض وافقده أوراق ضغط مهمة لأنه وضع نفسه ومصالحه وحركته تحت تصرف العدو الذي يفاوضه ومزاجيته ، وجعله بهذا رهينة لا يملك من أمره سوى خيار الاستجابة لكل مطالب العدو وإملاءاته ، فلم يعد يملك أياً من أوراق القوة فهو مع لحظة قبوله بالتفاوض تخلى عن كل ما من شانه أن يدعم موقعه التفاوضي ، فهو ألزم نفسه طواعية بتجريم كل الخيارات الأخرى وعلى رأسها خيار العمل المقاوم وسلخ نفسه عن عمقه بانفراده بالدخول للمفاوضات منفرداً عبر أوسلو فضلاً عن أنه قبل أن يكون في حرب ضد قطاع واسع من شعبه .

وفي مقابل هذا المشهد كان مشهد سطرته حركة حماس بجدارة في المفاوضات غير المباشرة التي تجريها بشأن قضية تبادل الأسرى ، حيث أثبتت حركة حماس وهي على رأي الفريق الذي يتبنى المقاومة جدارة عالية في إدارتها لهذه المفاوضات بأجندتها الخاصة المنسجمة مع أهدافها الوطنية وحقوق ومصالح شعبها ودون أن تستسلم لظلم الواقع السائد أو العنجهية القوة التي تميل لصالح العدو ، بل إنها طرحت النموذج والمثال باستخدامها ما تملك من عناصر قوة متواضعة مقارنة بما يملكه العدو والعالم الذي يناصبها العداء ، جاعلة من أرادتها المؤمنة بحقوقها عنصر القوة الذي لا يقهر والأداة الرئيسة في إدارتها لتثبيت قدرتها على الثبات في وجه كل ما واجهته من ترهيب وترغيب فكانت تخرج في كل مرة أكثر تمسكاً وقوة من المرة السابقة لتفرض أجندتها على طاولة التفاوض حتى رأينا العالم أجمع لم يجد أمامه خياراً إلاّ أن يرضى بالتفاوض مع حركة حماس وفق أجندتها ورؤيتها ودون أن تستطيع فرض أدنى الاشتراطات ، ولقد أثبتت إدارة حماس للمفاوضات التي يكثر الحديث اليوم عن قرب نهايتها أن الواقعية وفهم المتغيرات الدولية وإدراك موازين القوى العالمية لا يعني بحال الاستسلام لها والتسليم بها وعكسها على الذات هزيمة داخلية .

وقبل النهاية فإنه وبهذه العقلية الإدارية النابعة من الثقة بالذات استطاعت حماس الانطلاق على قاعدة الندية بدلاً من الدونية ، والتغليب العامة على أي مصلحة أخرى وبالإيمان المطلق بالقضية موضوع التفاوض وهي قضية الأسرى ، وبخلال ثلاث سنوات استطاعت أن تبرهن مصداقية وصوابية وجهة نظرها القائمة على إمكانية المحافظة على المزاوجة بين المقاومة والمفاوضات لحين تحقيق الأهداف مسترشدة بالثورة الجزائرية التي أجبرت الفرنسيين على الجلوس للتفاوض معها بوجود المقاومة وكذا التجارب العالمية الأخرى ، وزاد من نجاح حماس قدرتها على تجميع الكل الوطني للتوافق حول خيارها وتكتيكاته .

فهل يدرك ويتعلم أصحاب استراتيجية التفاوض كيف تُدار المفاوضات ؟!.

وهل يدرك عمالقة التفاوض لماذا فشلوا في تفاوضهم وتألقت حماس في قضية التبادل الجارية ؟!

وهل يقف هؤلاء وقفة مراجعة لنهجهم ، ويعملوا على استعادة أوراق القوة التي تؤهلهم للنجاح ، وعلى رأسها عودتهم لخيار المقاومة بعودة حقيقية لا عودة شعارات ..؟!

بقلم : رأفت ناصيف

عضو القيادة السياسية – حماس –

آب 2009       

 


متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من سياسي