عام 1968م، وتحديداً في الدورة الرابعة لـلمجلس الوطني التابع لمنظمة التحرير، كانت أولى بدايات سيطرة حركة فتح على منظمة التحرير الفلسطينية التي أنشئت بموجب قرار عربي عام 1964، برئاسة أحمد الشقيري، من أجل تحرير فلسطين، وفق الأهداف المعلنة للأنظمة العربية آنذاك.
دخول فتح للمنظمة، جاء عقب سنوات من التشكيك في أهدافها ومبادئها، وتوصيفها باعتبارها جسمًا عربيًا غريبًا، عكس ما روجت لنفسها على أنها جسم فلسطيني وطني رائد للكفاح المسلح، حتى إذا جاءت النكسة العربية 1967م، استثمرت فتح حالة الغضب الشعبي من الأداء العربي الرسمي، وبدأت في محاولة الانقضاض على المنظمة وصولا للتملك التام لها.
ثلاثة وخمسون عاما مرت على منظمة شاخت في عمرها، وفي مؤسساتها كما تصفها الفصائل المنضوية تحت لوائها، ولا تزال حركة فتح تمتلكها شهوة السيطرة والابتزاز والمحاصصة، على المنظمة، التي ترفض أي عملية إصلاح لها، أو إعادة حيويتها بإدخال فصائل أخرى كحماس والجهاد الإسلامي، إلا وفق ما يشبع شهواتها، كما يوضح أستاذ القضية الفلسطينية د. عصام عدوان.
صحيفة "الرسالة" وفي برنامجها السياسي "قاعة التحرير"، استضافت د. عدوان المحاضر في قسم التاريخ بجامعة القدس المفتوحة، ليسرد مراحل السيطرة والابتزاز الفتحاوي على المنظمة، ورفض منطق الشراكة مع الآخر حتى مع رفاق الدرب الطويل داخل المنظمة كقوى اليسار وغيرها، لافتا في الوقت ذاته لصعوبة توفير البديل عنها في ظل الواقع الإقليمي الراهن.
ويؤكد عدوان، أن مراحل سيطرة فتح تزامنت مع تحرك عربي رسمي، كان يهدف للتخلص من قيادة المنظمة المتمثلة آنذاك بالشقيري، بعد فضحه لضعف وتواطؤ الدور العربي في حرب النكسة، ورغبته في التحول من العمل العسكري الى قوات شعبية، تتناسب مع أوضاع المرحلة آنذاك.
رؤية الشقيري اصطدمت مع السياسة العربية التي سعت منذ البداية للتنصل من دورها في تحرير فلسطين، والقائها في حجر الشعب الفلسطيني عبر تشكيل منظمة التحرير، كما اصطدمت ايضًا مع فتح والقوى الفدائية الأخرى التي وجدت في رؤية الشقيري منافسة لعملها الثوري.
فتح استغلت حضورها القوي داخل المنظمة لابتزاز شركائها
بدأت القاهرة باستضافة مكتب للعمل الفدائي في القاهرة وكان يضم حركة فتح وفصائل صغيرة مقربة منها، ليصبح بموازاة المنظمة سياسيًا، بل تعدى دورها عندما بدأ المكتب باستضافة مؤتمرات يدعو لها المنظمة بوصفها طرفًا مدعوًا وليست بيتا جامعًا، تحركات وجد فيها الشقيري بأنها رغبة إقليمية ومحلية بالانقلاب على المنظمة ودورها، ما دعاه لتقديم استقالته.
ويشير عدوان، إلى انه في عام 1968، وافقت فتح الدخول للمنظمة، مقابل تحقيق شروط طرحتها من قبيل تخفيف عدد أعضاء المجلس الوطني من 460 إلى مئة، وذلك يبدو مناقضًا لموقف فتح الراهن الذي زاد على عدد أعضاء الوطني أكثر من 800 شخص.
ومنذ دخول فتح للمنظمة، سعت لـلسيطرة المطلقة على المجلس الوطني، حتى انها استحوذت في بعض الدورات التي عقدت خلال مرحلة السبعينات من القرن الماضي، على أكثر من 70% من عدد الأعضاء، وهي زيادة أكبر بكثير من نسبة الحسم في القرارات والتي تصل لـ 60%، وهي نسبة لم تتخلَ عنها فتح منذ انضمامها لهذه اللحظة.
ويوضح عدوان طريقة السيطرة التي امتهنتها فتح طيلة العقود الماضية، والقائمة على المراوغة والمحاصصة والابتزاز مع شركائها داخل المنظمة، قائلاً: إن فتح طيلة هذه المراحل كانت حريصة على اختيار كوتة محدودة، فيما تتغول على نسب الاتحادات وتستحوذ على عملية اختيار الشخصيات المستقلة، لتحقيق تواجد كبير لها داخل الوطني".
ويضيف "بدأت حركة فتح في رفع وتيرة حصتها داخل الوطني بنسب متفاوتة، حتى أصبح عدد أعضاء المجلس في دورته 1991 التي عقدت في تونس حوالي 460 شخص، أكثر من ستين في مئة منهم فتح".
وأشار الى ان عملية اختيار المستقلين داخل الوطني، كانت تتم بالتعيين من رئيس المجلس ونائبيه ورئيس اللجنة التنفيذية، ثلاثة منهم فتح وواحد من الجبهة الشعبية، موضحًا ان عملية الاختيار لم تخلُ من منطق المحاصصة والتسويات القائمة على العروض والابتزاز.
وشرعت فتح منذ سيطرتها على المنظمة، بتغيير ميثاقها مرتين، الأول كان بداية انضمامها، فحولت الميثاق القومي لوطني، وكان تغييرا إيجابيا بنظر عدوان، لتأكيده الكفاح المسلح وإبراز الشخصية الفلسطينية، أما الثاني فكان على النقيض تماما، إذ تخلت فتح بموجبه عن الكفاح المسلح واعترفت بإسرائيل وكان ذلك عام 1998م.
ويوضح أن فتح عدلت على 28 مادة في ميثاق المنظمة عام 1998م، شطبت بموجبه 12 مادة وحذفت فقرات من 18 مادة، ألغت بموجبه كل ما يتعلق بالكفاح المسلح، وظلت تردد أن هذا التعديل صوري ولم ينتج عنه شيء مكتوب، وهي مسألة تخادع فيها السلطة نفسها.
عباس يريد عقد "الوطني" للإطاحة بخصومه وترجمة نتائج المؤتمر "السابع"
وأكدّ أن حركة فتح استغلت وجودها القوي داخل الوطني، وتمكنت من خلال لعبة المصالح، ان تبتز القوى الأخرى، وان تخضعها لسياساتها، وأقنعتها بتمرير مواقف سياسية كما جرى في مرحلة النقاط العشر عام 1974م.
وأكد أستاذ القضية الفلسطينية أن تعديل الميثاق عام 1998، وما صاحبه من إقرار لمتغيرات سياسية في نهج المنظمة، جرى بطريقة غير قانونية، إذ لم يكتمل نصاب المجلس الوطني آنذاك، وذهب الرئيس ياسر عرفات لسياسة التعيينات في المجلس الوطني، من أجل تمرير هذه المواقف بصورة غير قانونية.
وشدد على أن حركة فتح لا تزال تتملكها شهوة السيطرة على المنظمة، وإشراك الآخرين ضمن نسب محدودة ومعينة تجعلها ضمن صورة ديكورية لا معنى لوجودها، مشيرا الى ان رئيس السلطة محمود عباس لن يوافق على أي تفعيل للمجلس الوطني ينازع حركته داخل المجلس او ينزع منها نسبة الحسم.
وأوضح أن أبو مازن رفض أصلا منطق اشراك حماس في إدارة البلديات، فيما يتملك الأطراف الدولية والإقليمية الخشية من تكرار سيناريو انتخابات 2006، وفوز حماس بالغالبية في المنظمة، ما يجعل الطريق امامها لتغيير مواقفها السياسية لصالح الموقف الوطني.
ورأى أن فرصة تشكيل البديل في الوقت الراهن غير ممكن، بسبب طبيعة أجواء المنطقة وظروف البيئة السياسية الإقليمية والدولية، والتي تحول دون وجود أطراف يمكن أن ترعى هذا البديل.
وأوضح أن فكرة انشاء قوى التحالف التي تضم الفصائل المعارضة للمنظمة، لم تجد فرصة للنجاح، لأنها لم تحظ بقرار سياسي من حماس، كما أن سوريا آنذاك نصحت بالتخلي عن الفكرة لعدم قدرتها على استضافته.
وقد شكلت قوى التحالف عام 2008 في دمشق، لمواجهة تفرد رئيس السلطة محمود عباس والوقوف في وجه تنازلات منظمة التحرير.
ويرى د. عدوان أن فرصة إجراء الانتخابات للوطني لا تزال قائمة، لكن السلطة تتذرع بحجج رفض بعض الدول لهذه الانتخابات، وهي غير حقيقية لأنها لم تتحرك فعليا لإقناع هذه الدول بإجراء الانتخابات.
وبيّن أن الهدف من انعقاد الوطني، هو الإطاحة بمعارضي الرئيس عباس، وترجمة ما تمخض عن المؤتمر السابع لفتح داخل المنظمة.
كما ورأى أن عملية اصلاح المنظمة لا تتم عن طريق قبول حماس المشاركة في اجتماعات الوطني، مؤكدًا ان هذه الموافقة تعتبر طعنة في خاصرة من ينادي بإصلاح المنظمة وإعادة تفعيلها، محذرًا الحركة من إمكانية الموافقة على أي وعود او تعهدات من فتح مقابل المشاركة باجتماعات الوطني" لأن كل الوعود ثبت عدم صدقها".
كما وأشار الى ان تفعيل المنظمة بحاجة لحراك شعبي واسع في الداخل والخارج، وتحديدا في الضفة المحتلة.
