لم تكن الطفلة تقى غزاوي، ابنة الـ12 ربيعًا، تعلم أن عودتها من المدرسة ستحرمها من حضن والدتها، وأن دفاترها المدرسية ستكون سببًا لزجها خلف قضبان الاحتلال الإسرائيلي.
في حي الثوري بسلوان المقدسية، كغيرها من الأطفال، كانت تحمل حقيبتها الممتلئة بالكتب، قبل أن يوقفها جنود الاحتلال عند أحد الحواجز، ويفتشوا حقيبتها، ليجدوا فيها كراسة تحوي شعارات كُتبت بعفوية، تعبيرًا عن حلم طفولي بالحرية.
بحجة "التحريض"، تم اعتقال الطفلة المقدسية ونقلها إلى مركز تحقيق بعيد عن أهلها، وسط بكاء والدتها التي لم يُسمح لها حتى باحتضانها أو الاطمئنان عليها. مشهد الاعتقال هذا لم يكن جديدًا على المقدسيين، لكنه كان فادحًا في قسوته، إذ كانت الضحية طفلة في شهر رمضان، وقت الإفطار، حين تلتف العائلة حول المائدة، بينما كانت تقى خلف الأسوار، محرومة من دفء أسرتها وطعام والدتها.
الاحتلال يتباهى بالقمع
بعد ساعات من الاحتجاز، سارعت شرطة الاحتلال إلى نشر بيان رسمي تتفاخر فيه باعتقال الطفلة، وتُظهر صورًا من كراستها المدرسية، مدّعية أنها تحتوي على "شعارات تحريضية"، زاعمة أنها وضعت ورقة على إحدى مركبات الشرطة كتب عليها: "سننتصر أو نموت"، و"النصر من الله والتحرير قريب".
لم يكتف الاحتلال باعتقال الطفلة، بل قدم مدّعي عام الاحتلال تصريحًا لفتح لائحة اتهام ضدها، معتبرًا أنها تشكل "تهديدًا أمنيًا"، رغم أنها لم تكن تحمل سوى حقيبة مدرسية وحلمًا صغيرًا بأن تعيش بحرية في مدينتها.
الإفراج بشروط تعسفية
بعد أيام من الاعتقال والتحقيق، قررت محكمة الاحتلال الإفراج عن الطفلة، لكن بشروط قاسية: الحبس المنزلي لمدة شهر، عدم الإقامة في منزل عائلتها، دفع كفالة مالية باهظة تبلغ 3000 شيكل.
فرض هذا القرار واقعًا أكثر قسوة، حيث باتت الطفلة مجبرة على العيش بعيدًا عن أسرتها خلال شهر رمضان، في مشهد يؤكد أن سياسات الاحتلال لا تفرق بين كبير أو صغير، وتستهدف حتى أحلام الطفولة.
واقع الاعتقالات.. سياسة ممنهجة
اعتقال الأطفال الفلسطينيين لم يكن حادثًا فرديًا، بل جزء من حملة أوسع تستهدف الفلسطينيين بتهم "التحريض"، حيث كشفت شرطة الاحتلال أنها، منذ 7 أكتوبر 2023، فتحت 1000 ملف تحقيق ضد فلسطينيين، وصادقت النيابة العامة على 500 طلب اعتقال، فيما قُدمت 160 لائحة اتهام بتهم "التحريض"، مما يوضح أن سياسة تكميم الأفواه تطال حتى الأطفال.
"متى أعود إلى أمي؟"
بين جدران المنزل الذي ستُنفى إليه، ستعيش الطفلة تقى أيامها الرمضانية بلا عائلتها، محرومة من أجواء الشهر الفضيل، وتظل تسأل باستمرار: "متى أعود إلى أمي؟". سؤال مؤلم يعكس معاناة الطفولة المقدسية في ظل الاحتلال، حيث يصبح القلم سلاحًا، والكراسة تهمة، والحلم بالحرية جريمة.
تقى غزاوي ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة، لكنها تمثل نموذجًا لطفولة تُعتقل، وأحلام تُسلب، في مدينة لا تزال تكافح لأجل حقها في الحياة.