ترسم إقالة رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لرئيس جهاز الأمن الداخلي (الشاباك) رونين بار، ملامح نظام سياسي جديد في دولة الكيان، قائم على محاولات نتنياهو واليمين المتطرف تأبيد بقائهم في الحكم.
وقد كشف انهيار النظام العسكري والأمني والسياسي صباح السابع من أكتوبر 2023 عن أزمة عميقة ومتجذّرة في دولة الكيان، حيث تلوح في الأفق نذر حرب أهلية داخلية لأول مرة منذ إقامته.
وصادقت حكومة الاحتلال المتطرفة بالإجماع على مقترح نتنياهو بإنهاء مهام رئيس الشاباك رونين بار، على أن يغادر منصبه في 10 أبريل/نيسان أو عقب تعيين رئيس جديد للجهاز.
ونقلت القناة 12 عن نتنياهو قوله خلال جلسة الحكومة إنه توصّل خلال المفاوضات إلى أن رئيس الشاباك غير ملائم لمنصبه.
لماذا تفجّرت الأزمة بين نتنياهو ورئيس الشاباك؟
بدأت جذور الخلافات قبل طوفان الأقصى، مع ما عُرف بـ"الانقلاب القضائي" الذي كان يقوده نتنياهو واليمين المتطرف ضد الجهاز القضائي، وهو ما رفضه رئيس الشاباك إلى جانب المؤسسة الأمنية والعسكرية.
كما أشعلت هزيمة السابع من أكتوبر الخلافات بشكل غير مسبوق، فقد تحمّل قادة المؤسسة العسكرية والأمنية مسؤولية الهزيمة، بينما يرفض نتنياهو حتى الآن تحمّل المسؤولية، ويحاول تحميل الجيش والأمن المسؤولية كاملة.
أزمة في إدارة الحرب والمفاوضات
تفجّر الصراع الأكبر خلال إدارة نتنياهو الفاشلة للحرب ومفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وقد كشفت رسالة بار إلى الوزراء عن تفاصيل خطيرة.
وأقرّ بار بأن نتنياهو كان المعطّل للصفقة طوال فترة المفاوضات.
وقال في رسالته للوزراء إن قرار استبعاده من فريق التفاوض كان يهدف إلى إجراء مفاوضات دون التوصل إلى صفقة، وإن هذا القرار جاء لمنع التحقيق في أحداث 7 أكتوبر.
بينما يروّج نتنياهو لمؤامرة مفادها أن بار كان على علم بهجوم 7 أكتوبر قبل ساعات من وقوعه ولم يُبلغه به.
وخلال الحرب ومفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار، اشتعلت الخلافات بين نتنياهو وبار، حيث سُرّبت في حينه أخبار تفيد بأن نتنياهو هو من يعطّل الصفقة في كل مرة، ويتراجع عن بعض البنود التي كان قد وافق عليها، كما يضع شروطاً جديدة في كل جولة مفاوضات بهدف تعطيل الصفقة قدر الإمكان.
واحتدت الأزمة بعد قرار نتنياهو المفاجئ باستبعاد رئيس الشاباك من فريق التفاوض مع قرب انتهاء المرحلة الأولى من الاتفاق، والتي كان من المفترض أن تتبعها مفاوضات المرحلة الثانية، ما كشف عن نية نتنياهو تعطيل الصفقة.
وحاول نتنياهو التهرّب من إفشال الصفقة باتهام رئيس الشاباك بأنه ضلّل الحكومة والجمهور فيما يتعلق باتفاق وقف إطلاق النار، لكن رسالة بار كشفت أن نتنياهو تعمّد تعطيل الصفقة.
وقال بار إن قرار استبعاده من فريق المفاوضات انعكس سلباً على التفاوض ولم يؤدِّ إلى تحرير الأسرى، مضيفاً أن "إسرائيل" تمرّ بمرحلة صعبة ومعقّدة، ولا يزال 59 أسيراً في غزة، وحماس لم تُهزم، ما يعكس فشل الاحتلال في إدارة الحرب وتحقيق الأهداف التي أعلن عنها.
فضيحة "قطر غيت" وأزمة الرشوة
تشكل إحدى أهم القضايا التي تُثار كسبب محتمل لهذه الإقالة، فضيحة تلقي رشى من دولة أجنبية. وفي هذه المسألة، ثمّة تحقيق جارٍ بشأن دور مستشارين مقرّبين من نتنياهو في العمل لصالح قطر، حيث يسعى نتنياهو إلى دفن التحقيق ومنع كشف أي تفاصيل تُدين المقربين منه.
لماذا تمثل إقالة رئيس الشاباك نقطة تحوّل خطيرة؟
أولاً: تكشف إقالة بار عن أزمة ثقة غير مسبوقة بين المستويات السياسية والأمنية والعسكرية، حيث تمثل نقطة تحوّل خطيرة في السياسة الداخلية لدولة الاحتلال.
ويجادل محللون في الصحف العبرية بأن الصراع بين نتنياهو وبار يعكس أزمة أعمق داخل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، لكن جميعهم اتفقوا على أنها تتسبب في أزمة ديمقراطية عميقة تهدد النسيج الاجتماعي والسياسي للكيان.
ثانياً: تهديد استقرار دولة الكيان، حيث تتزايد الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي والمؤسسات الأمنية، بينما يصرّ نتنياهو على اتخاذ خطوات توصف بأنها غير مسبوقة، تشمل إقالة كبار المسؤولين في الأجهزة الأمنية والقانونية، ما يثير مخاوف من تصاعد التوترات إلى حدّ يهدد استقرار الدولة.
ويقول المحلل العسكري ناحوم برنياع في مقال بصحيفة يديعوت أحرونوت إن ما حدث صراع خطير ينذر بدفع الكيان نحو نمط من حرب أهلية مسلّحة لم يحن وقتها بعد، وتآكل الثقة داخل الأجهزة الأمنية ومؤسسات الدولة ككل.
حيث يؤمن نتنياهو بوجود دولة عميقة في "إسرائيل" يتآمر عملاؤها عليه، إما لتدميره أو لابتزازه.
ثالثاً: إعادة صياغة النظام السياسي وتحويل الكيان إلى نظام استبدادي يعمل بالولاء الشخصي لنتنياهو، مع استبعاد المعارضين، ما يعني انهيار منظومة العمل المؤسساتي.
كما يستغل نتنياهو هذا الصراع لتعزيز مطالبه بالولاء الشخصي، إذ أصبح واضحًا أن ولاء رؤساء الأجهزة الأمنية للدولة، وليس لشخصه، أمر غير مقبول بالنسبة له.
وقالت صحيفة يسرائيل هيوم إن إقالة بار عمل ممنهج يقوده نتنياهو لإعادة صياغة النظام السياسي والأمني لصالحه، وتأتي في إطار عملية تطهير تستهدف مراكز القوى التي تعارض نهج الحكومة. وأضافت أن حملات تطهير كبار المسؤولين من خصال الأنظمة الشمولية، وأن نتنياهو يستلهمها من الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتبرير تصرفاته.
واعتبرت الصحيفة أن إقدام نتنياهو على إقالة بار يُعجّل بإحداث شرخ داخلي، ويقرّب "إسرائيل" خطوة أخرى من الحرب الأهلية.
رابعاً: ضرب المنظومة القضائية، فقد رفض نتنياهو الامتثال لقرارات المحكمة العليا فيما يتعلق بإقالة بار، ويحاول هو وحكومته إزاحة كل من يقف حائلاً بينهم وبين البقاء في الحكم إلى الأبد، بما في ذلك المستشارة القضائية للحكومة، التي يسعى لإقالتها أيضاً، وذلك إلى جانب محاولات فرض تعديلات قضائية أدت إلى تفجّر غضب شعبي وحزبي كبير، ما يكشف عن أزمة دستورية أساسية، لا مجرد حالة طوارئ سياسية عادية.