عامان على طوفان الأقصى: انهيار الثقة الإسرائيلية وهجرة عكسية تهزّ الكيان من الداخل

متابعة_الرسالة نت

بعد مرور عامين على عملية "طوفان الأقصى"، ما زالت تداعياتها العميقة تهزّ الداخل الإسرائيلي في مجالات الأمن والديموغرافيا والاقتصاد والنفس والمجتمع. 

فقد تحوّل الحدث من مجرد صدمة عسكرية إلى زلزال بنيوي طويل الأمد أضعف مقومات الجذب والهجرة إلى "إسرائيل"، وأطلق موجات من اليأس والهجرة العكسية بين فئات الشباب والمهنيين، مهددًا بنية الدولة القائمة على التفوق الديمغرافي والتكنولوجي.

 

نزيف سكاني وهجرة معاكسة غير مسبوقة

تكشف الأرقام عن اتجاه متزايد للهجرة العكسية من "إسرائيل"، إذ غادر أكثر من 82,700 إسرائيلي البلاد خلال عام 2024، مقابل نحو 50 ألف مهاجر جديد فقط، بحسب معطيات رسمية. 

وتشير استطلاعات رأي نُشرت في صحيفة هآرتس إلى أن 40% من الإسرائيليين يفكرون جديًا في المغادرة، بينما بلغت النسبة 81% بين فئة الشباب الذين غادروا بالفعل.

تصف مراكز بحثية هذه الظاهرة بأنها تهديد وجودي للدولة العبرية، خصوصًا في ظل مغادرة آلاف العاملين في القطاعات الحيوية مثل التكنولوجيا المتقدمة، وهو ما انعكس في تباطؤ الابتكار وتراجع الاستثمارات الأجنبية. 

كما رصدت تقارير عبرية تنامي مشاعر القلق وانعدام الأمان الاجتماعي، إلى حد أن مؤسسة “ذي فوروارد” اليهودية تحدثت مطلع أكتوبر الجاري عن "تآكل التماسك الداخلي وتزايد الشعور باليأس والعزلة".

 

خسائر بشرية وجراح نفسية لا تندمل

وتؤكد بيانات مؤسسة التأمين الوطني الإسرائيلية أن عدد المتضررين منذ 7 أكتوبر 2023 تجاوز 80 ألف شخص، من بينهم 978 قتيلًا مدنيًا و1152 عسكريًا بحسب وزارة الجيش. وتشير المؤسسة إلى أن أكثر من 33 ألف شخص أُصيبوا بإعاقات دائمة، بينها 30 ألف حالة اضطراب نفسي.

ويحذر خبراء الصحة النفسية من أن الآثار النفسية لطوفان الأقصى قد تفوق أضعاف الخسائر الجسدية، فاضطرابات ما بعد الصدمة والاكتئاب وتعاطي المخدرات والانتحار باتت مشكلات عامة بين الجنود والمستوطنين على حد سواء، في ظل فقدان الثقة بالمؤسسات الرسمية وازدياد الشعور بالعجز والخوف من المستقبل.

 

 

انهيار الصورة الأكاديمية والوجه الثقافي لإسرائيل

ولم تسلم الجامعات الإسرائيلية من الارتدادات العنيفة للحرب. فقد أعلنت لجنة رؤساء الجامعات الإسرائيلية تسجيل أكثر من 750 حالة مقاطعة أكاديمية خلال العامين الماضيين، نتيجة الضغوط الطلابية والمواقف التضامنية حول العالم مع الفلسطينيين. 

وأدى ذلك إلى خسائر معنوية واقتصادية جسيمة، دفعت المفوضية الأوروبية إلى مناقشة تعليق جزئي لوصول "إسرائيل" إلى برنامج الأبحاث الأوروبية “هورايزون 2020”.

هذا التراجع الأكاديمي يمثّل ضربة لركيزة "القوة الناعمة" الإسرائيلية التي طالما اعتمدت على الجامعات والعقول المهاجرة لترويج صورتها العلمية والمدنية في العالم.

 

تحوّل اجتماعي وديموغرافي عميق

وترافقت الأزمة مع تغيّر في البنية الاجتماعية داخل "إسرائيل"، إذ شهدت المدن الكبرى كتل أبيب والقدس تزايدًا في المظاهرات المناهضة للحكومة، كما باتت العائلات تفكر في مغادرة البلاد لأسباب نفسية واقتصادية لا سياسية فقط. 

وذكرت تقارير أن الخدمات التعليمية والصحية تواجه صعوبات في التكيف مع هذا التغيّر، خصوصًا في المناطق التي تعاني من نسب هجرة مرتفعة، ما يهدد بانكماش مجتمعي وخلخلة في سوق العمل.

 

فقدان الثقة والهوية: "إسرائيل" تواجه نفسها

وبعد عامين من الحرب على غزة وما تبعها من مواجهة مع إيران، باتت "إسرائيل" تعيش أزمة هوية وطنية، إذ لم تعد الصورة القديمة لدولة قوية وآمنة قابلة للتصديق داخليًا. 

فالمجتمع يعيش على وقع الخوف من المستقبل والبحث عن النجاة الفردية أكثر من التضامن الجماعي، بينما تنزف مؤسسات دولة الاحتلال من الداخل وسط انقسامات سياسية حادة وتراجع ثقة الجمهور بالحكومة والجيش على السواء.

 

مقارنة الفاجعة

ورغم عمق الانهيارات التي أصابت "إسرائيل"، فإنها تظل ضئيلة أمام المأساة الإنسانية في غزة، حيث يعيش الفلسطينيون تحت الإبادة والحصار والمجاعة والنزوح المستمر. 

وبينما يواجه الإسرائيليون اضطرابات نفسية بسبب الخوف والقلق، فإن الغزيين يعيشون صدمات متجددة كل يوم بفقدان الأحباء والمنازل والمأوى، ما يجعل المفارقة صارخة بين مجتمعٍ يتألم من الخسارة ومجتمعٍ يُباد وجوديًا.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من سياسي