رواتب تحت المقصلة.. كيف حُوِّلت تضحيات الشهداء والأسرى إلى عبء سياسي؟

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

خاص-الرسالة نت

لم يكن القرار الذي اتخذته السلطة الفلسطينية بوقف صرف مخصصات عائلات الشهداء والأسرى والجرحى مجرد إجراءٍ ماليٍّ عابر، بل زلزالًا سياسيًا وأخلاقيًا ضرب واحدةً من أكثر القضايا حساسيةً في الوعي الوطني الفلسطيني.ففي لحظةٍ تتعرض فيها الحركة الأسيرة لأقسى أنواع القمع والتنكيل داخل سجون الاحتلال، فوجئت آلاف العائلات بقرارٍ ينهي عمليًا نظامًا امتد لعقود، كان يُنظر إليه باعتباره اعترافًا رسميًا بتضحيات من دفعوا أعمارهم وأجسادهم ثمنًا للقضية.

في هذا التحقيق تتتبّع «الرسالة» خيوط القرار، وخلفياته القانونية والسياسية، والضغوط الدولية التي سبقته، والجهات التي تقف وراء تنفيذه، والتداعيات الإنسانية التي بدأت تتكشف داخل بيوت الشهداء والأسرى، حيث لم يعد السؤال: كيف نعيش بكرامة؟ بل كيف ننجو؟.

توقيت بالغ الخطورة

في أواخر يناير/ كانون الثاني 2025، أصدر رئيس السلطة محمود عباس، القرار بقانون رقم (4) لسنة 2025، الذي نص على إلغاء القوانين والأنظمة السابقة الناظمة لصرف مخصصات الأسرى وعائلات الشهداء، وتحويل الملف كاملاً إلى المؤسسة الفلسطينية للتمكين الاقتصادي "تمكين".

ورغم أن القرار نُشر رسمياً في الجريدة الرسمية في 10 فبراير/ شباط، إلا أن آثاره طُبقت فورا، لتتوقف دفعات مالية كانت تعتمد عليها عشرات آلاف الأسر الفلسطينية.

ولم يكن توقيت القرار عاديًا، فبحسب تقارير حقوقية، يواجه أكثر من 9 آلاف أسير فلسطيني ظروفاً غير مسبوقة داخل السجون (الإسرائيلية)، مع تصاعد حالات الوفاة بفعل التعذيب والإهمال الطبي.

في هذا السياق، بدا القرار وكأنه رسالة قاسية إلى عائلات الأسرى، مفادها أن المعركة لم تعد تدور فقط خلف القضبان، بل وصلت إلى موائدهم اليومية.

في حين أعلنت مؤسسة «تمكين» في بيان رسمي وقف صرف أي مخصصات مالية استنادًا إلى التشريعات السابقة، جاءت المعايير الجديدة لتجرد القرار من أي اعتبار لتضحيات الأسرى أو شهداء القضية، إذ أصبح الصرف محكومًا حصريًا بمعايير البحث الاجتماعي وما يُسمى بـ«المعايير الدولية»، متجاهلاً سنوات الأسر ولقب الشهيد، وكأن ألم العائلات لم يكن له أي وزن.

هذا التحول أثار موجة غضب واسعة، إذ رأت فعاليات وطنية ومؤسسات حقوقية أن القرار يجرد قضية الأسرى والشهداء من بعدها السياسي، ويحولها إلى حالة فقر تخضع للتقييم والفرز. وبحسب المحتجين، فإن الأسير لم يُعتقل لأنه فقير، بل لأنه قاوم الاحتلال، ما يجعل ربط حقه بمعايير الاحتياج إساءة لتاريخه النضالي.

من صاحب القرار؟

ويؤكد الحقوقي فايز قاسم أن الجدل الدائر حول مؤسسة تمكين يجب ألا يحجب الحقيقة القانونية الأساسية، وهي أن المسؤولية الكاملة تقع على عاتق رئيس السلطة.

وقال قاسم في حديث لـ"الرسالة نت" إن القرار بقانون الصادر في يناير 2025 ألغى صراحة جميع القوانين السابقة، ما يجعل أي حديث عن اجتهاد إداري مضللاً للرأي العام.

وشدّد على أن وزارة المالية ومؤسسة تمكين ليستا سوى أدوات تنفيذ، لكن ذلك لا يعفيهما من واجب الامتناع عن تطبيق نصوص تتعارض مع القانون الأساسي الفلسطيني، الذي يكفل حماية الحقوق المكتسبة، خاصة في القضايا المرتبطة بالنضال الوطني.

ولفت قاسم إلى أن نقل ملف الأسرى إلى مؤسسة ذات طابع اجتماعي يحمل دلالة سياسية واضحة، مفادها إعادة تعريف الأسير في الخطاب الرسمي.

وتجدر الإشارة إلى أن مؤسسة "تمكين" أنشئت عام 2019 بهدف دعم الفئات الفقيرة، إلا أن تعديل نظامها الإداري لاحقًا، ومنح رئيس السلطة صلاحية تعيين رئيس مجلس إدارتها، فتح الباب أمام تساؤلات جدية حول استقلاليتها.

وبحسب مصادر رسمية، ستتلقى بعض العائلات مخصصات تتراوح بين 1400 و1880 شيكل، شريطة اجتياز البحث الاجتماعي، إلا أن هذا المبلغ يقل في كثير من الحالات عن المخصصات السابقة، فضلاً عن كونه مشروطاً وقابلاً للقطع في أي وقت.

في خيمة شمال غزة، تجلس زوجة الشهيد عادل عياد محاطة بأطفالها. تقول: "راتب زوجي الشهيد كان الحد الأدنى الذي يضمن لنا حياة كريمة. لم نكن نعيش برفاهية لكننا لم نمد أيدينا لأحد".

وتضيف لـ"الرسالة نت": "بعد قطع الراتب، بدأنا نؤجل العلاج ونؤجل شراء الملابس وأحياناً نؤجل الطعام نفسه. نشعر أننا نعاقب، وكأن استشهاد زوجي أصبح تهمة".

وتتابع بحرقة: "الاحتلال قتل زوجي، لكن القرار قتل الأمان في قلوب أولادي، نحن لا نطلب صدقة، بل حقاً اعترفت به كل الحكومات السابقة".

وتشير زوجة الشهيد إلى أن القرار لم يترك أثره على الجانب المعيشي فقط، بل خلف جرحاً نفسياً عميقاً لدى الأطفال، الذين باتوا يشعرون بأن تضحيات والدهم لم تعد محل تقدير.

وتقول: "أطفالي يسألونني لماذا تغيّر كل شيء فجأة؟ لماذا أصبحنا أقل من غيرنا؟ لا أملك إجابة مقنعة، سوى أن أقول لهم إن والدهم لم يخطئ، لكن الزمن قاسٍ".

وتختم حديثها بالتأكيد على أن ما يجري يتجاوز حالتها الشخصية، ليصيب آلاف العائلات التي فقدت معيلها الوحيد. وتضيف: "نحن لا نعيش حالة فقر عادية، بل نعيش نتيجة قرار سياسي، حين يُقطع راتب الشهيد، لا يُقطع المال فقط، بل تُقطع الطمأنينة والاستقرار، ويترك الأطفال في مواجهة مستقبل غامض".

كذبة العبء المالي

ووفق مصادر خاصة لـ"الرسالة نت"، فإن أكثر من 60% من عائلات الأسرى يعتمدون على المخصصات المالية الحكومية كمصدر دخل رئيسي، في المقابل تشكل هذه المخصصات أقل من 7% من إجمالي موازنة السلطة، ما يُضعِف الادعاءَ بأنها تُشكِّل عبئًا ماليًا لا تحتمله الموازنة.

كما تشير المصادر إلى أن سلطات الاحتلال اقتطعت منذ عام 2019 أكثر من 3 مليارات شيكل من أموال المقاصة الفلسطينية، رداً على دفع رواتب الأسرى، في إطار ما يعرف بقانون الخصم (الإسرائيلي).

ولطالما شكلت مخصصات الأسرى هدفاً مباشراً للابتزاز (الإسرائيلي) والأمريكي، لا سيما في ظل قانون "تايلور فورس" الأمريكي. وبرغم تعهدات رسمية سابقة بعدم المساس بهذه الرواتب، يرى مراقبون أن القرار الجديد يعكس محاولة لإعادة فتح قنوات الدعم الدولي، ولو على حساب قضية تُعد من الثوابت الوطنية.

وتقول مصادر سياسية إن السلطة تراهن على أن إعادة تصنيف مخصصات الأسرى كإعانات اجتماعية قد تخفف الضغوط، غير أن هذا الرهان يحمل مخاطر داخلية جسيمة، أبرزها فقدان الثقة الشعبية.

وعلى إثر القرار، خرجت اعتصامات في عدة مدن بالضفة الغربية، ورفعت شعارات تؤكد أن حقوق الشهداء والأسرى خط أحمر، كما أصدرت فصائل المقاومة بيانًا مشتركًا وصفت فيه القرار بأنه "سقوط وطني وأخلاقي"، محذرة من تداعياته على وحدة الصف الفلسطيني.

واعتبرت الفصائل، في بيان مشترك، أن قرار السلطة قطع رواتب الشهداء والأسرى سياسة خطيرة تعمق الانقسام وتمثل استجابة فاضحة للإملاءات الخارجية وخضوعًا واضحًا لسياسات حكومة الاحتلال (الإسرائيلي).

كما اعتبر البيان أن قرارَ السلطةِ يستدعي تحرّكًا وطنيًا وشعبيًا عاجلًا، لحماية هذه العائلات المناضلة من تغوّل بعض المسؤولين في السلطة على حقوقهم المشروعة.

ولذلك، لا يمكن قياس هذا القرار فقط بما قد يوفره من أموال أو بما قد يفتحه من قنوات دعم دولي مغلقة، بل بالكلفة السياسية والمجتمعية بعيدة المدى التي يفرضها على شعب يعيش تحت احتلال طويل الأمد.

فبالنسبة إلى عائلات الشهداء والأسرى، لم يكن الراتبُ مجردَ بندٍ ماليٍّ في موازنة السلطة، بل اعترافًا رسميًا بأن تضحياتهم لم تُنسَ، وأن من قدّموا أعمارهم لم يُترَكوا لمصيرهم.

عملية كيّ وعي

في حين، يرى المختص في الشأن السياسي، محمد أبو قمر، أن قرارات قطع رواتب الأسرى والشهداء ليست جديدة، مشيرًا إلى أن السلطة عملت على هذا النهج منذ أكثر من عشر سنوات، بما في ذلك عدم إدراج شهداء عام 2014 ضمن قوائم المستفيدين من الرواتب.

وقال أبو قمر لـ"الرسالة نت": "إنّ السلطة تحاول، من خلال هذه الخطوات، تقديم ما وصفه بـ«شهادة حسن سيرة وسلوك» للاحتلال (الإسرائيلي)، في إطار الاستجابة للضغوط السياسية والمالية، والتأكيد على عدم دعم ما تسميه بعض الأطراف بـ«الإرهاب»، عبر دفع رواتب للأسرى وعائلات الشهداء".

وأضاف: "هذه السياسات تهدف إلى فصل قضية الأسرى والشهداء عن بعدها الوطني، الأمر الذي قد يدفع الكثير من الفلسطينيين إلى إعادة النظر في مواقفهم، في ظل غياب الضمانات الاجتماعية والرعاية لعائلاتهم في حال تعرضهم للاعتقال أو الاستشهاد".

وأكد أبو قمر أن السلطة تمارس ما وصفه بـ"كيّ الوعي" للشعب الفلسطيني، بما يضمن راحة الاحتلال، لافتاً إلى أن القرارات الأخيرة التي أكد عليها رئيس السلطة محمود عباس، والمتعلقة بتجفيف ما أسماه "منابع دعم المقاومة"، تشكل خطراً حقيقياً على النسيج الوطني.

وأشار إلى أن خطورة هذه الإجراءات تكمن في أنها باتت مؤطرة بقوانين رسمية، ما يجعل التراجع عنها أمرًا صعبًا دون قرار وطني جامع وجهد شعبي واسع، خاصة أن هذه السياسات تمس شريحة كبيرة من أبناء الشعب الفلسطيني.

ولعل هذا التحول يفتح الباب أمام تآكل تدريجي في مكانة الرموز الوطنية، ويعيد تعريف العلاقة بين السلطة ومجتمعها على أساس المنفعة لا الشراكة النضالية.

وبينما تستمر الضغوط الدولية، تبقى الأسئلة الداخلية أكثر إلحاحًا، هل تستطيع السلطة تحمّل تبعات هذا الشرخ مع شريحة واسعة من شعبها؟ وهل يمكن استعادة الثقة بعد أن شعر آلاف الفلسطينيين أن تضحياتهم أصبحت عبئًا تفاوضيًا؟.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تحقيقات