عاد "رغيف الخبز" ليتصدر مشهد الأزمة الإنسانية في قطاع غزة، ليس بوصفه مجرد غذاء أساسي، بل كمؤشر يومي على حجم الانهيار المعيشي الذي يعيشه السكان.
فمنذ ساعات الفجر الأولى، تصطف طوابير طويلة أمام المخابز ونقاط البيع، في مشهد بات مألوفًا، يعكس صراعًا يوميًا على تأمين أبسط مقومات الحياة، في ظل نقص حاد في الدقيق والوقود، وقيود مشددة على إدخال الإمدادات عبر المعابر.
في مختلف مناطق القطاع، ينتظر المواطنون لساعات طويلة للحصول على ربطة خبز واحدة، وسط حالة من القلق والتوتر، مع محدودية الكميات وسرعة نفادها.
وتشير شهادات ميدانية إلى أن العديد من نقاط البيع اضطرت إلى فرض قيود على الكميات، بحيث تُباع ربطة واحدة لكل شخص، في محاولة لتوزيع النقص على أكبر عدد ممكن من السكان.
تراجع الإنتاج وأزمة الإمدادات
تعود جذور الأزمة إلى التراجع الكبير في كميات الدقيق والوقود الداخلة إلى قطاع غزة، نتيجة القيود المفروضة على المعابر، ما أدى إلى انخفاض إنتاج المخابز بشكل ملحوظ. ووفق بيانات محلية وتقارير إعلامية، تراجع الإنتاج اليومي من الخبز من نحو 300 طن إلى 200 طن فقط، أي بانخفاض يقارب الثلث.
وتشير تقديرات رسمية إلى أن الكميات التي تدخل القطاع لا تفي بالحد الأدنى من الاحتياجات الفعلية، في ظل استمرار القيود على تدفق الشاحنات، ما يفاقم أزمة الغذاء الأساسية ويضع السكان أمام واقع متدهور.
كما ساهمت سياسات بعض المؤسسات الدولية، وعلى رأسها برنامج الغذاء العالمي، في تعقيد المشهد، إذ أدى تقليص كميات الدقيق والسولار المدعوم للمخابز بنسبة تصل إلى 30% إلى تراجع الإنتاج وزيادة الضغط على السوق. ولم يعد خافيًا توجه البرنامج نحو تقليص نظام الخبز المدعوم والتحول التدريجي إلى النظام التجاري، ما يزيد الأعباء على المواطنين في ظل تدهور القدرة الشرائية.
ارتفاع الأسعار وعودة السوق السوداء
انعكست هذه العوامل بشكل مباشر على الأسعار، حيث شهدت الأسواق ارتفاعات غير مسبوقة. فقد ارتفع سعر ربطة الخبز من السعر المدعوم (3 شواكل) إلى ما بين (7 و15 شيكلًا)، فيما قفز سعر كيس الدقيق (25 كغم) من (20–25 شيكلًا) إلى ما بين (70 و100 شيكل).
هذا الارتفاع الحاد جعل الخبز، الذي يُعد الغذاء الأساسي لمعظم الأسر، عبئًا يوميًا يفوق قدرة الكثيرين، خاصة في ظل تراجع الدخل وغياب فرص العمل. ومع تفاقم الأزمة، عادت ظاهرة السوق السوداء، حيث تُباع كميات محدودة بأسعار مضاعفة، مستفيدة من فجوة العرض والطلب.
ويؤكد خبراء أن انخفاض الإنتاج بنسبة تصل إلى 30%، مقابل طلب مرتفع، أدى إلى اختلال واضح في السوق، ما ساهم في تقلب الأسعار وغياب الاستقرار.
تحذيرات من تفاقم الأزمة
يحذر مختصون من أن استمرار نقص الدقيق والوقود، إلى جانب القيود المفروضة على المعابر، قد يدفع بالأوضاع نحو مزيد من التدهور، خاصة مع اعتماد شريحة واسعة من السكان على الخبز كغذاء يومي أساسي. وتشير تقديرات دولية إلى أن مئات الآلاف في غزة يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، في ظل تراجع الإمدادات واستمرار الأزمة.
وفي هذا السياق، قال مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إسماعيل الثوابتة إن القطاع الذي يقطنه أكثر من 2.4 مليون نسمة، يحتاج يوميًا إلى نحو 450 طنًا من الدقيق، في حين لا يدخل فعليًا سوى نحو 200 طن، أي أقل من نصف الاحتياج.
وأضاف الثوابتة أن هذا النقص الحاد يعكس أجواء حقيقية من المجاعة في ظل استمرار ما وصفها بسياسة التجويع، نتيجة القيود المفروضة على إدخال الإمدادات الأساسية.
ورغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، والذي نص على إدخال 600 شاحنة يوميًا ضمن البروتوكول الإنساني، فإن الكميات المدخلة لم تتجاوز 38% مما كان يدخل قبل الحرب، بحسب المكتب الإعلامي الحكومي في القطاع.
ورغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار، لا تزال القيود المفروضة على حركة الأفراد والبضائع والمساعدات عبر المعابر قائمة، ما يحدّ من تدفق الإمدادات ويُبقي الأزمة قائمة.