أسطورة المقاومة أسطورة المقاومة

«حبيبة العسكري».. الطفلة التي بترت الحرب أطرافها وأحلامها

غزة - خاص الرسالة نت

في إحدى المستشفيات الأردنية، يرقد جسد صغير على سرير أبيض، محاطًا بأجهزة طبية تحاول إنقاذ ما تبقى منه. الطفلة حبيبة العسكري من قطاع غزة، ذات الستة أعوام، كانت حتى وقت قريب تركض وتلهو كباقي الأطفال، لكن الحرب والحصار والمرض حرموها من ذلك. اليوم، تقف أسرتها على حافة الألم، بعدما أجمع الأطباء على قرار قاسٍ: بتر ذراعيها وساقيها لإنقاذ حياتها.

حبيبة تعاني من حالة وراثية نادرة، نقص البروتين C، وهو مرض يؤدي إلى تخثر الدم المفرط. في معظم أنحاء العالم، يمكن علاج هذا المرض بسهولة، لكن في غزة، حيث لا دواء ولا مستشفيات مجهزة، يصبح المرض قاتلًا ببطء. رغم المناشدات، لم تتمكن الصغيرة من مغادرة القطاع في الوقت المناسب، وبحلول الوقت الذي وصلت فيه إلى الأردن، كانت العدوى قد انتشرت في جسدها.

"لم يكن يجب أن تصل الأمور إلى هنا"، يقول عمها معاذ محمد بحسرة. "لو حصلت حبيبة على العلاج في الوقت المناسب، لما كانت بحاجة إلى البتر، لكنها كانت عالقة في مكان لا يصلح للحياة."

رحلة الموت البطيء

بدأت مأساة حبيبة منذ شهور، عندما ظهرت عليها أعراض المرض. كان والداها عاجزين عن تأمين العلاج، خاصة بعد اختطاف والدها من قبل الجيش الإسرائيلي عام 2024. ومع تدهور حالتها، لم يكن أمام الأسرة سوى البحث عن أي فرصة لإنقاذها.

المستشفيات في غزة كانت شبه مشلولة، بلا معدات أو أدوية كافية، فيما كانت المنظمات الدولية تحاول—دون جدوى—إخراج حبيبة من القطاع. تأخرت الموافقات الإسرائيلية، وعندما جاءت، كان الوقت قد فات.

يقول عمها بحزن: "كل دقيقة كانت تمر كانت تأخذ جزءًا من جسدها، وما قدرت غزة تعطيها شيئا غير الألم."

بتر الأطراف.. قرار مر لكنه ضروري

حين وصلت حبيبة إلى الأردن، كان الأطباء يحاولون جاهدين إنقاذ أطرافها، لكن الغرغرينا كانت قد انتشرت. لم يعد هناك خيار آخر سوى البتر، وإلا ستفقد حياتها بالكامل.

يقول طبيبها في عمان: "كان يمكننا إنقاذها، لو جاءت قبل أسابيع فقط، لكنها وصلت إلينا متأخرة جدًا."

اليوم، تقف والدتها بجانب سريرها، تحاول أن تخفي دموعها بينما تحكي لها قصصًا عن المستقبل، عن الأمل، عن كيف ستكون قوية رغم كل شيء.

"لا نريد أن نرى المزيد من حبيبة"

حبيبة ليست الوحيدة، بل هي واحدة من 2,500 طفل في غزة بحاجة ماسة للإجلاء الطبي، وفقًا للأمم المتحدة. وفي الوقت الذي يتحدث فيه العالم عن هدنة ومساعدات، هناك آلاف الأطفال ينتظرون المصير نفسه، فقط لأنهم ولدوا في قطاع غزة الذي يواجه إجرام الكيان الإسرائيلي المدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية.

يقول عمها: "حبيبة فقدت أطرافها، لكن لا نريد أن نفقد غيرها. هذا ليس مجرد رقم، هذه حياة، وهذه مأساة يمكن تفاديها."

اليوم، وبينما تبدأ الصغيرة رحلة تأقلمها مع جسدها الجديد، تبقى قصتها شاهدة على ظلمٍ يجب ألا يمر بصمت. فكم من "حبيبة" أخرى تنتظر دورها في قائمة الموت البطيء؟

`
البث المباشر